هل تسعفني اللغةُ لتطير برسالتي إلى كل مصري، فيقرأها، ويفهمها، وتبللها دموعُه، وتحرقها أعصابُه، ثم يجمع أهلـَه وأولادَه وأقاربَه وأحبابَه وينظر في عيونـِهم الهزيلة ليبشرهم بأنه استيقظ الآن، ولن يترك لهم مقابرَ بمساحةِ الوطن، وخرابـًا يمتد إلى كل شبر من أرضٍ صمت أهلُها، فَفَجَرَ طغاتها؟
باقي من الزمن علىَ جنازةِ مصر نـَفَسات قليلة، ليصعد ابنُ الرئيس إلى شـُرفة قصر الظلم، ، ثم ينفجر ضاحكًا تتبعه كلُّ الشياطين المحيطة به، والمؤتمرة بأوامره، لتلفظ أرضُ الحضارات أنفاسَها الأخيرة!
شريطٌ طويلٌ يـَمُرّ في ذهني وأكاد أرىَ الطغاةَ يصطفون في طابور طويل، ويتهامسون فيما بينهم، وتجمعهم دهشة عجيبة علىَ صَمْتِ المصريين، أمّا هُمّْ فقد حَكَموا، وتسلـّطوا، وعذّبوا، وأهانوا، وانتهكوا الأعراضَ، وجعلوا أوطانـَهم سجونًا، ولكن في النهايةِ انتفض الأحرارُ لقيادةِ الشعوب، فاختفى فرانكو، وسالازار، وسوموزا، ومنجستو هيلامريم، وهيلاسلاسي، وستالين، وموسوليني، وهتلر، وفرانسوا ديفالييه، وياروزلسكي، وأنور خوجة، ونورييجا،وتشاوشيسكو، وباتيستا، ومحمد رضا بهلوي، وبينوشيه، وبول بوت، وعيدي أمين دادا، وجان بيدل بوكاسا، وجان كلود ديفالييه، وجعفر النميري، و تا موك الجزار الأعرج الذي قتل في المعسكر 21 بكمبوديا مئة ألف شخص…. و
لم يعد أمامنا إلا العصا السحرية للقضاء على الطاغية قبل أن يقبض مَلـَكُ الموت روحَه وهي أن نـُخفي وراء ظهورنا العقيدة، والايديولوجية، والمذهبَ، والطائفة، والمسجدَ، والكنيسة، والحزبَ، والمرشدَ، والأمينَ العام، والأميرَ، والجماعة، والجمعية، وكلَّ ما من شأنه أن يفتح كوة صغيرة لخلاف بين مصري وآخر ليظهر المصريون ولو مرة واحدة في تاريخهم بوجهٍ لا تستطيع أيُّ قوةٍ أنْ تعرف له انتماءً آخرَ غير مصر.
أخشى أنْ تكون اللعبةُ أكبرَ مـِنّا جميعًا، وأنْ تكون مصيدةُ ملايين التوقيعات رصاصةَ الرحمةِ للجسدِ المصري المنهـَك، فقد تم تجنيدُ شبابِ مصر وثوارِها القادمين والغاضبين لجمع توقيعاتٍ تمتص غضبَهم، نـُحصيها لــ( نـُحرج) النظامَ، ويطلب مـِنـّا زبانيتُه أنْ نـُلقيها في سَلـّة المهمـَلات فهي لا تـُقدّم ولا تؤخِر ولا تحَرّك شعرةً في رأس أصغر مُساعدي الطاغية.
لماذ لا يقوم الدكتور محمد البرادعي نفسُه بجمعِ ملايين التوقيعات التي تـُطالبه بتولّي رئاسة الدولة، لا تلك التي تـُثـَبّت شرعيةَ قاتـِلنا، وتستجديه أنْ يقوم بتغيير مواد في الدستور، رغم رفضِه القاطع، واستمرار مسلسل التوريث باحتقار شديدٍ لكل مصري، وازدراءٍ لقوىَ المعارضة، وبـَصْقٍ علىَ وجوهِنا قبل وصولِ الرئيس الابن ليجعل الموتَ أمنيةَ كل من سيشهد تكملةَ العصر المباركي اللعين؟
أيها المصريون،
اللعبةُ أكبر مـِنّا متفرقين، وأصغر لو تجاوزنا كلَّ الخلافات ليومٍ أو بعض اليوم!
باقي من الزمن ساعات، أو أيام، أو شهور قليلة ليلتف حبلُ غليظٌ حول رقابـِنا، ويلعن أبناؤنا، وأحفادُنا غباءَ وحماقةَ وجـُبنَ وصَمْتَ وسذاجةَ آباءٍ وأجدادٍ كانوا يصفعون بعضَهم في الوقت الذي يصفع أقفيتَهم أسفل طغاةِ العصر وأجبنهم وأضعفهم الذي تحميه تل أبيب وواشنطون وأبناءُ أبطال العبور وتلامذةُ رأفت الهجان وأجهزةٌ وطنيةٌ اشتراها بثمن بـَخْسٍ فأطاعته قبل أنْ يـُلَوّح لها بالعصا والجزرة.
لا أصدق أنني أعيش هذا الزمنَ، وأنَّ المصريين علىَ اختلافِ مشاربِهم لم يعثروا بعدُ علىَ سببٍ واحدٍ يستدعي غضبةً يتيمةً تقوم بها فئةٌ واحدةٌ فتلتحف بها كلُّ فئات الشعب المصري.
عاطلون عن العمل، قضاة، محامون، أساتذة جامعات، طلاب، مرضىَ مُسَرّطنون، عائلات وأهالي المعتقلين، ناصريون وإخوان مسلمون وأقباط ومستقلون ويساريون ووفديون وعانسات وأعضاء في أحزاب سياسية ومثقفون وإعلاميون وعمال وفنانون وأدباء و …
هل يمكن أنْ يصدق عقلٌ في الدنيا كلها أنَّ هؤلاء عاجزون، ومستضعـَفون في الأرض، وجبناء، وخائفون من رجال الأمن، وغيرُ مُدْرِكين للمشهد الكارثي القادم؟
لن أصف المشهدَ المصري من جديد فهذا امتهانٌ لعيونِ المصريين التي تحفظه عن ظهْر قلبٍ، وتعرف تفاصيلـَه كلُّ دابةٍ علىَ أر ضِ الكنانة.
لكنني هذه المرة أريد أنْ أضع حلا مرهونا بعدةِ مَطالب قد تنقص أو تزيد، بفضل اشتراكنا جميعًا في دائرةِ النقاش، حتى يستوي ويستقيم ويَخْرُج للنور، وتلفظ مصرُ طاغيتـَها وأسرتَه وأزنابَه وكلابـَه إلىَ غير رجعة:
1- التفويض للدكتور البرادعي لتقديم استجداءٍ لمجرم الولايات الخمس ليتفضل بتغيير بعض مواد الدستور اهانةٌ كبيرة لشعبنا، وتثبيتٌ لشرعيةِ النظام الجائر والذي من المفترض أن يَمْثـُل كلُّ أركانِه في قفص الاتهام بحزمة من التـُهَم لا مثيل لها لدىَ أقسى وأغلظ مجرمي الحروب والابادات.
2- إذا أراد الدكتور البرادعي أنْ يتحمل مسؤوليةَ القيادةِ فليتفضل ويجمع توقيعاتٍ بتفويضِه لرئاسةِ مصر، أو يـُنشيء فضائيةً، أو يعقد مؤتمرًا صحفيًا في حضور عشرات من وكالات الأنباء ويطالب المصريين بعصيانٍ مدني سلمي، أو يُعلن على الأقل أنه ضد مبارك بدلا من الاعلان أنَّ الطاغية لطيف ومهذب وأنه على علاقة طيبة به، وحينئذ ستلتف حوله الملايين بعيدًا عن اللعب مع الكبار.
3- أنَّ الباقي من الوقت قبل اسدال الستار على مسرحية التوريث لا يسمح حتى بالتقاط الأنفاس، وأنَّ نيةَ الطاغية لتوريث ابنه رقابنا كانت منذ تولـّيه السلطة لثمانية وعشرين عامًا خـَلـَتْ، والنقاشُ الآن عبثٌ في الوقتِ الضائع، فالطاغيةُ الصغيرُ مُشارِكٌ في القرارات منذ عدة سنوات، بل لعله الحاكمُ الفعليُّ من وراء الستار.
4- أنَّ المطلوبَ شيءٌ واحدٌ فقط وهو يومٌ لمصر قد يمتد ليصبح يومين أو ثلاثة قبل سقوط الطاغية وأسرتـِه، وفي هذا اليوم لا يعرف مصريٌ مصريًا إلا من خلال كراهيتنا لنظام الحُكم الآثم والفظّ والمستبد.
5- أنَّ مبارك عدوُّنا المشترك، وأيُّ خلافٍ بين فصيلين مصريين، أو بين حزبين أو حتى بين اثنين من المواطنين في هذا اليوم المشهودِ هو انحياز ٌ من الطرفين، الظالم والمظلوم، لاستمرار الديكتاتور وحيتانه في نهبِ ما تبقى من مصر .. لو تبقى منها شيءٌ بعد خمس سنوات أو أقل.
6- ينبغي أنْ نعترف بأنَّ كل المظاهرات والانتفاضات والاحتجاجات السابقة باءت بالفشل لأننا كنا نضع رؤوسنا بين أنياب أجهزة الأمن والتي تجاوزت مليونا من المطيعين لأوامر القصر، فإذا تظاهر مِئـَةٌ في ميدان عام أحاط بهم خمسةُ آلافٍ من رجال الأمن.
7- يجب أن يكون التخطيطُ أكثر حنكة، ويباغت حُماة الديكتاتور، ويتحدد موعدُه قبل اليوم الموعود بثلاثة أشهر، ويكون مُوَجَّهاً لمفصل الوجع، وشلّ النظام، ولن يمر يومان فقط قبل أن ينحاز الشرفاءُ في الجيش والمخابرات وأمن الدولة والإعلام ليقوم مبارك وأسرته وأعضاء حكومته وقيادات الحزب الوطني وأعضاء مجلسي الشعب والشورى بتسليم أنفسهم طوعًا إلى غضبة الشعب.
8- ولن تتم السيطرة على الوضع إلا بالتوجّه ناحية كل أقسام الشرطة في مصر، من أدناها إلى أقصاها، والاستيلاء عليها من قِبَل الملايين الغاضبة، وهنا سنكتشف أنَّ النظام من ورق، وأن الشرفاء أكثر عددا من المجرمين، وأن كل ضابط أمن وشرطي ومخبر سيبكي، ويقسم بأنه كان مضطرا للطاعة خوفا من بطش الطاغية.
9- في هذه الحالة لن نحتاج للتضحية بجماعة صغيرة في ميدان عام، و لن تستطيع قوى الأمن أن تسُدَّ المنافذَ والشوارعَ، وسيخرج ا






















