أوسلو في 6 ابريل 2003
العالم الغريب للفتاوى يسحر المسلم, ففيه خليط من تجارة رابحة, وقداسة مصطنعة, وتواكل على الغير, وتعامل جدي من منطلق استدعاء نصوص دينية للتعامل مع تفاصيل أدق الأمور الحياتية.
ومسلم العصر الحديث يستفتي في كل شيء, فهو يسأل إن كان تطهير الأذن يبطل الصيام أم لا,وهل يحق للمسلم أن يرسل أموالا لشقيقه المقيم في بلاد الكفار, ورجل يقيم مع والدته بمفردهما, فهل يحق له العودة متأخرا وهي نائمة, ومسلم يسأل إن كان تصليح الأجهزة الكهربائية حراما أم حلالا, وآخر يريد أن يعرف إن كان المسلم يتعرض لأمراض نفسية كما يتعرض لها الكافرون أم لا؟
وتجارة الفتوى أصبحت أكثر انتشارا من المخدرات على الرغم من أنها أعمق تأثيرا وتخديرا وتغييبا من البانجو الصومالي, والقات اليمني, والحشيش التركي, والهيروين الأفغاني, وتظاهرات الفاتح من سبتمبر!
عشرات الالاف من الفتاوى دخلت نسيج الأمة, واختلطت بأفكار وأحلام وكوابيس المسلم, فكبلته, وقيدته, وغيبته عن الوعي, وعادت به إلى القرن الثالث الهجري, ونزعته عنوة من زمنه ليعيش ميتا في زمن آخر لايعرف عنه شيئا!
حجر كامل على العقل, ومنع تام لاستخدامه, وتخدير للعواطف, وقتل عمد لمشاعر سامية ونبيلة تعبر عن تناغم وانسجام المسلم مع عصره.
وكلما خرجت من المطابع صحيفة او مجلة, فتحت نافذة صغيرة أو كبيرة يطل عليها المعاقون ذهنيا من الأميين ثقافيا لطرح أسئلة مهينة لكرامة البشر, وكأن صاحبها يبصق على العقل والمنطق والحكمة والفكر الخلاق والابداع والحرية, وسيجد فقيها أو عالما أو ملتحيا أو جلبابيا يتبرع بالرد الأحمق على السؤال المتخلف.
مسلم يسأل عن رأي الاسلام في قرض الأظافر, وثان يريد أن يعرف رأي الاسلام في أنه استقبل مسيحيا في غرفته عندما كان مريضا, وجلس صديقه المسيحي على طرف الفراش, فهل أصبح الفراش نجسا؟
ومسلم يجبر زوجته أن لا تخلع النقاب في الحمام لئلا يشاهدها عفريت من الجن, وآخر في حيرة من أمر الطلاق عن طريق البريد الالكتروني.
قابلت مسلمة رفضت أن يشاهد والدها نشرة أخبار التلفزيون لأن فيها صورا متحركة, وأخرى تقول بأنها لا تذهب لصيدلي غير مسلم حتى لو مات ابنها الصغير بسبب نقص الدواء!
الفتاوى الفجة والعفنة والغبية الخارجة من عقل أكثر سوادا وظلمة وظلاما هي جريمة مكتملة الأركان, وتجريد خليفة الله في الأرض من عقله, واستهانة بكرامة الانسان, واستخفاف بمقدراته, واستعباد طوعي يستعذب به المسلم لذة السوط على ظهره وقفاه.
مسلم يستفتي أحدهم في طاعة أوامر الجن عندما يطلبون منه مجامعة زوجته, وآخر لا يعرف أن الله, العلي القدير, غفور رحيم فيسأل عن كيفية معرفة عدد الركعات التي فاتته عندما كان صغيرا في العمر, ومسلمة تظن أن بجوار فراشها عفريتا من الجن يجامعها دون أن يعرف زوجها.
ويزداد مزاد أعفن تجارة صنعها التخلف والفساد والأمية, لكن المسلم يصر على مزيد من القيود, ويطالب أباطرة الفتوى بمنع الهواء النقي عنه, وحجب الحرية, واغتيال الجمال, وتسويد كل الألوان.
سيقول قائل بأن هناك عشرات الالاف الأخرى من الفتاوى الضرورية لحياة الانسان فهل تستقيم أمور وشؤون المسلم دون أن يلتزم بفتوى عالم أو فقيه أو شيخ, مع العلم بأن أكثر المهن والوظائف استغناء عن العلوم والاداب والفلسفة والمعرفة والمنطق والموضوعية هي علوم الفتوى في العصر الحديث.
ويمكن لأي جلبابي ملتح أن يطل على آلاف القراء في أي مطبوعة بصفحتين ملونتين:( أنت تسأل, ونحن نجيب), وكأنه بائع سميط على شاطيء البحر, أو صاحب بسطة من الأعشاب الملوثة بالأمراض يضعها على قارعة الطريق, ويدغدغ بها المرضى والملوثة عقولهم فيصف لهم الدواء الشافي في العلاج الكافي!
ثم من قال بأن هناك فتوى ملزمة في الاسلام؟
نعم إن هناك آراء متعددة ومختلفة المشارب والاتجاهات, ومتنوعة الأهداف والمصالح, لكن القول بأن مفتي الأمة أو مفتي الديار أو المفتي العام أو شيخ أي هيئة أو تجمع اسلامي قد أفتى ولذا وجب على المسلم أن يطيع دون قيد أو شرط هو هراء وخرافات وعبث بالدين وجهل بالاسلام الحنيف.
في الاسلام أعلى درجات الوعي, وأعمق الدعوات إلى اعمال العقل, ومن منهجه يخرج التمرد, وتشتعل الثورات, ويتولد الرفض, وتترعرع الحرية, وتعلو قيمة الاختيار دون أن تكون هناك سطوة دينية أو مقدسة تقيد تلك القيمة السامية من الحرية.
والفتوى في معظم الأحوال عمل سياسي يرتدي ملابس القداسة, ويبرر وضعا غير طبيعي, ويستمد قوته من صلب السلطة, وهو لايتناقض معها إلا لماما, ويستخدم أساليب الردع والتهويل والترغيب والترهيب من أجل اضفاء قوة وهالة على الفتوى.
عندما قام شيطان بغداد الهارب بغزو دولة الكويت لم يكن صعبا أن يتم عقد مؤتمر اسلامي في بغداد تباع فيه الفتوى الدينية بتحليل دماء الكويتيين بدولارات أمريكية تدفعها الاستخبارات العراقية ووزارة الاعلام بتوثيق من وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية.
وكان الشيخ التميمي في الأردن يقاتل الكويتيين المسلمين من فوق منبر الخطابة بأحد مساجد المملكة الهاشمية, وخرجت مظاهرات معادية للكويت والسعودية من عشرات المراكز الاسلامية في أوروبا والتي قامت بأموال خليجية, لكن برزان التكريتي كان قادرا من جنيف على تسديد قيمة الفتوى الدينية بجعل الاحتلال حلالا طاهرا, وأن حزب البعث العربي الاشتراكي- فرع بغداد كان المدافع الأول عن كرامة المسلمين.
ومصطفى شكري روع وقتل باسم فتاوى إسلامية, والدكتور فرج فودة استشهد بعد فتوى, ومكرم محمد أحمد ونجيب محفوظ وغيرهما تعرضوا لمحاولات اغتيال باسم الفتوى الدينية.
وأسامة بن لادن يصدر فتاوي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |