Yahoo!

طائر الشمال


مناقشة البيان النهائي للاطاحة بعائلة مبارك

كتبها جميع المقالات في مدونة طائر الشمال بقلم محمد عبد المجيد ، في 18 أغسطس 2010 الساعة: 08:26 ص

 

لـَمْ تهاجم جسدي من قبلُ رعشةُ فزعٍ علىَ مصر كما تفعل بي هذه الأيام، وأخشىَ أنْ تتحول الدموعُ، حقيقة لا مجازًا، إلى دماءٍ حقيقيةٍ، فَلَمْ يحدث خلال كتاباتي القاسية والمباشرة والصريحة والمؤلمة ضد طاغية بلدي أنْ شعرت بالخوف عليها كما أشعر الآن!
هل تسعفني اللغةُ لتطير برسالتي إلى كل مصري، فيقرأها، ويفهمها، وتبللها دموعُه، وتحرقها أعصابُه، ثم يجمع أهلـَه وأولادَه وأقاربَه وأحبابَه وينظر في عيونـِهم الهزيلة ليبشرهم بأنه استيقظ الآن، ولن يترك لهم مقابرَ بمساحةِ الوطن، وخرابـًا يمتد إلى كل شبر من أرضٍ صمت أهلُها، فَفَجَرَ طغاتها؟
باقي من الزمن علىَ جنازةِ مصر نـَفَسات قليلة، ليصعد ابنُ الرئيس إلى شـُرفة قصر الظلم، ، ثم ينفجر ضاحكًا تتبعه كلُّ الشياطين المحيطة به، والمؤتمرة بأوامره، لتلفظ أرضُ الحضارات أنفاسَها الأخيرة!
شريطٌ طويلٌ يـَمُرّ في ذهني وأكاد أرىَ الطغاةَ يصطفون في طابور طويل، ويتهامسون فيما بينهم، وتجمعهم دهشة عجيبة علىَ صَمْتِ المصريين، أمّا هُمّْ فقد حَكَموا، وتسلـّطوا، وعذّبوا، وأهانوا، وانتهكوا الأعراضَ، وجعلوا أوطانـَهم سجونًا، ولكن في النهايةِ انتفض الأحرارُ لقيادةِ الشعوب، فاختفى فرانكو، وسالازار، وسوموزا، ومنجستو هيلامريم، وهيلاسلاسي، وستالين، وموسوليني، وهتلر، وفرانسوا ديفالييه، وياروزلسكي، وأنور خوجة، ونورييجا،وتشاوشيسكو، وباتيستا، ومحمد رضا بهلوي، وبينوشيه، وبول بوت، وعيدي أمين دادا، وجان بيدل بوكاسا، وجان كلود ديفالييه، وجعفر النميري، و تا موك الجزار الأعرج الذي قتل في المعسكر 21 بكمبوديا مئة ألف شخص…. و
لم يعد أمامنا إلا العصا السحرية للقضاء على الطاغية قبل أن يقبض مَلـَكُ الموت روحَه وهي أن نـُخفي وراء ظهورنا العقيدة، والايديولوجية، والمذهبَ، والطائفة، والمسجدَ، والكنيسة، والحزبَ، والمرشدَ، والأمينَ العام، والأميرَ، والجماعة، والجمعية، وكلَّ ما من شأنه أن يفتح كوة صغيرة لخلاف بين مصري وآخر ليظهر المصريون ولو مرة واحدة في تاريخهم بوجهٍ لا تستطيع أيُّ قوةٍ أنْ تعرف له انتماءً آخرَ غير مصر.
أخشى أنْ تكون اللعبةُ أكبرَ مـِنّا جميعًا، وأنْ تكون مصيدةُ ملايين التوقيعات رصاصةَ الرحمةِ للجسدِ المصري المنهـَك، فقد تم تجنيدُ شبابِ مصر وثوارِها القادمين والغاضبين لجمع توقيعاتٍ تمتص غضبَهم، نـُحصيها لــ( نـُحرج) النظامَ، ويطلب مـِنـّا زبانيتُه أنْ نـُلقيها في سَلـّة المهمـَلات فهي لا تـُقدّم ولا تؤخِر ولا تحَرّك شعرةً في رأس أصغر مُساعدي الطاغية.
لماذ لا يقوم الدكتور محمد البرادعي نفسُه بجمعِ ملايين التوقيعات التي تـُطالبه بتولّي رئاسة الدولة، لا تلك التي تـُثـَبّت شرعيةَ قاتـِلنا، وتستجديه أنْ يقوم بتغيير مواد في الدستور، رغم رفضِه القاطع، واستمرار مسلسل التوريث باحتقار شديدٍ لكل مصري، وازدراءٍ لقوىَ المعارضة، وبـَصْقٍ علىَ وجوهِنا قبل وصولِ الرئيس الابن ليجعل الموتَ أمنيةَ كل من سيشهد تكملةَ العصر المباركي اللعين؟
أيها المصريون،
اللعبةُ أكبر مـِنّا متفرقين، وأصغر لو تجاوزنا كلَّ الخلافات ليومٍ أو بعض اليوم!
باقي من الزمن ساعات، أو أيام، أو شهور قليلة ليلتف حبلُ غليظٌ حول رقابـِنا، ويلعن أبناؤنا، وأحفادُنا غباءَ وحماقةَ وجـُبنَ وصَمْتَ وسذاجةَ آباءٍ وأجدادٍ كانوا يصفعون بعضَهم في الوقت الذي يصفع أقفيتَهم أسفل طغاةِ العصر وأجبنهم وأضعفهم الذي تحميه تل أبيب وواشنطون وأبناءُ أبطال العبور وتلامذةُ رأفت الهجان وأجهزةٌ وطنيةٌ اشتراها بثمن بـَخْسٍ فأطاعته قبل أنْ يـُلَوّح لها بالعصا والجزرة.
لا أصدق أنني أعيش هذا الزمنَ، وأنَّ المصريين علىَ اختلافِ مشاربِهم لم يعثروا بعدُ علىَ سببٍ واحدٍ يستدعي غضبةً يتيمةً تقوم بها فئةٌ واحدةٌ فتلتحف بها كلُّ فئات الشعب المصري.
عاطلون عن العمل، قضاة، محامون، أساتذة جامعات، طلاب، مرضىَ مُسَرّطنون، عائلات وأهالي المعتقلين، ناصريون وإخوان مسلمون وأقباط ومستقلون ويساريون ووفديون وعانسات وأعضاء في أحزاب سياسية ومثقفون وإعلاميون وعمال وفنانون وأدباء و …
هل يمكن أنْ يصدق عقلٌ في الدنيا كلها أنَّ هؤلاء عاجزون، ومستضعـَفون في الأرض، وجبناء، وخائفون من رجال الأمن، وغيرُ مُدْرِكين للمشهد الكارثي القادم؟
لن أصف المشهدَ المصري من جديد فهذا امتهانٌ لعيونِ المصريين التي تحفظه عن ظهْر قلبٍ، وتعرف تفاصيلـَه كلُّ دابةٍ علىَ أر ضِ الكنانة.
لكنني هذه المرة أريد أنْ أضع حلا مرهونا بعدةِ مَطالب قد تنقص أو تزيد، بفضل اشتراكنا جميعًا في دائرةِ النقاش، حتى يستوي ويستقيم ويَخْرُج للنور، وتلفظ مصرُ طاغيتـَها وأسرتَه وأزنابَه وكلابـَه إلىَ غير رجعة:
1- التفويض للدكتور البرادعي لتقديم استجداءٍ لمجرم الولايات الخمس ليتفضل بتغيير بعض مواد الدستور اهانةٌ كبيرة لشعبنا، وتثبيتٌ لشرعيةِ النظام الجائر والذي من المفترض أن يَمْثـُل كلُّ أركانِه في قفص الاتهام بحزمة من التـُهَم لا مثيل لها لدىَ أقسى وأغلظ مجرمي الحروب والابادات.
2- إذا أراد الدكتور البرادعي أنْ يتحمل مسؤوليةَ القيادةِ فليتفضل ويجمع توقيعاتٍ بتفويضِه لرئاسةِ مصر، أو يـُنشيء فضائيةً، أو يعقد مؤتمرًا صحفيًا في حضور عشرات من وكالات الأنباء ويطالب المصريين بعصيانٍ مدني سلمي، أو يُعلن على الأقل أنه ضد مبارك بدلا من الاعلان أنَّ الطاغية لطيف ومهذب وأنه على علاقة طيبة به، وحينئذ ستلتف حوله الملايين بعيدًا عن اللعب مع الكبار.
3- أنَّ الباقي من الوقت قبل اسدال الستار على مسرحية التوريث لا يسمح حتى بالتقاط الأنفاس، وأنَّ نيةَ الطاغية لتوريث ابنه رقابنا كانت منذ تولـّيه السلطة لثمانية وعشرين عامًا خـَلـَتْ، والنقاشُ الآن عبثٌ في الوقتِ الضائع، فالطاغيةُ الصغيرُ مُشارِكٌ في القرارات منذ عدة سنوات، بل لعله الحاكمُ الفعليُّ من وراء الستار.
4- أنَّ المطلوبَ شيءٌ واحدٌ فقط وهو يومٌ لمصر قد يمتد ليصبح يومين أو ثلاثة قبل سقوط الطاغية وأسرتـِه، وفي هذا اليوم لا يعرف مصريٌ مصريًا إلا من خلال كراهيتنا لنظام الحُكم الآثم والفظّ والمستبد.
5- أنَّ مبارك عدوُّنا المشترك، وأيُّ خلافٍ بين فصيلين مصريين، أو بين حزبين أو حتى بين اثنين من المواطنين في هذا اليوم المشهودِ هو انحياز ٌ من الطرفين، الظالم والمظلوم، لاستمرار الديكتاتور وحيتانه في نهبِ ما تبقى من مصر .. لو تبقى منها شيءٌ بعد خمس سنوات أو أقل.
6- ينبغي أنْ نعترف بأنَّ كل المظاهرات والانتفاضات والاحتجاجات السابقة باءت بالفشل لأننا كنا نضع رؤوسنا بين أنياب أجهزة الأمن والتي تجاوزت مليونا من المطيعين لأوامر القصر، فإذا تظاهر مِئـَةٌ في ميدان عام أحاط بهم خمسةُ آلافٍ من رجال الأمن.
7- يجب أن يكون التخطيطُ أكثر حنكة، ويباغت حُماة الديكتاتور، ويتحدد موعدُه قبل اليوم الموعود بثلاثة أشهر، ويكون مُوَجَّهاً لمفصل الوجع، وشلّ النظام، ولن يمر يومان فقط قبل أن ينحاز الشرفاءُ في الجيش والمخابرات وأمن الدولة والإعلام ليقوم مبارك وأسرته وأعضاء حكومته وقيادات الحزب الوطني وأعضاء مجلسي الشعب والشورى بتسليم أنفسهم طوعًا إلى غضبة الشعب.
8- ولن تتم السيطرة على الوضع إلا بالتوجّه ناحية كل أقسام الشرطة في مصر، من أدناها إلى أقصاها، والاستيلاء عليها من قِبَل الملايين الغاضبة، وهنا سنكتشف أنَّ النظام من ورق، وأن الشرفاء أكثر عددا من المجرمين، وأن كل ضابط أمن وشرطي ومخبر سيبكي، ويقسم بأنه كان مضطرا للطاعة خوفا من بطش الطاغية.
9- في هذه الحالة لن نحتاج للتضحية بجماعة صغيرة في ميدان عام، و لن تستطيع قوى الأمن أن تسُدَّ المنافذَ والشوارعَ، وسيخرج ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أيامي في المستشفى .. وماذا عن الآخرين؟

كتبها جميع المقالات في مدونة طائر الشمال بقلم محمد عبد المجيد ، في 24 يونيو 2010 الساعة: 22:50 م

أولويات حقوق الانسان تختلف من شخص إلى آخر، والاختلافات تنسحب على الشعوب، والحكومات، والأجناس، والجماعات، والطوائف، والمناطق الجغرافية، والأزمنة التاريخية، وغيرها ..

لو أنني أمسكت ورقة وقلما الآن لأضع الأولويات فلا ريب أنني سأعيد ترتيبها مرات كثيرة وفقا لرؤيتي الآنية، أو حالتي النفسية، أو الانفعالات الداخلية، أو الظروف الخارجية، أو الضغوطات الذاتية التي يتعرض لها العقل والنفس والعواطف، وفي هذه الحالة قد يتراجع العقل إلى الخلف قليلا، وربما تتقدم العاطفة حاملة منطقا أحسب حينئذ أنه الحق، وربما أضع ترتيبات لا يوافق على أكثرها أكثر الناس ولو عدلت، أو زعمت أنني عادل!

لو طرحت السؤالَ على قبيلة في تشاد فسيُجمع كل أفرادها على أن الأولوية للماء الصالح للشرب، وإذا طرحت السؤالَ على رجل أعمال يملك عدة فنادق في شرم الشيخ فسيردّ على الفور بأن حرية انتقال رؤوس الأموال والاعفاء من الضرائب لعشر سنوات لهما الأولوية، وإذا سمعك عضو في جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلن يتواني في التمسك بأهم الثوابت وهي اخفاء المرأة بقدر المستطاع عن الرجل ولو كانت داخل سبعين مترا من الصوف الثقيل الأسود!

سيقول لك رجل استخبارات عربي بأن أهمية الأمن تأتي في المقدمة ومنها احترام كل من تثقل كتفيه نجومٌ ودبابير وصقور ونسور، وستقول لك ربة الأسرة بأنها لا تكترث إلا باكتفاء أولادها ماديا حتى نهاية الشهر، وستختلف الردود مئات المرات وفقا لرؤية صاحب كل منها: من أهمية اللحية إلى الافراج عن المعتقلين الأبرياء، ومن صرف معاش الأرملة قبل الخامس من الشهر إلى مساهمة الدولة في القضاء على العنوسة، ومن الاشراف القضائي على الانتخابات إلى حرية نشر الكتب، ومن جواز سفر وعقد عمل في الخارج إلى محاكمة الضابط الذي مارس التعذيب، ومن المساواة بين طوائف ومذاهب وأديان المجتمع إلى علاج ابن أو أخ أو أخت أو والدة من مرض عضال.

كلما استطاع المجتمع احتضان أمنيات وأماني وآمال وطموحات وأحلام أفراد الشعب، اقترب من الخط الفاصل بين التقدم والتحضر .. وبين قيمة الانسان المكرَّم والمعزز و .. قيمته في عالم من القهر والقمع والمجاعة والفقر والبطالة والقسوة والغلظة والنفاق !

في ذهني ترتيب ما أنفك يتراقص صعودا وهبوطا، فيحل المركز الثاني مكان السابع، ويعود الثامن إلى الثالث، ويحتل العاشر مكان الخامس، لكن كرامة المرء في السجون والمعتقلات وأقسام الشرطة ومع الأمن والمحاكم العادلة والكلمة الحرة ظلت طوال سنوات امساكي بالقلم تقف منتصبة في المقدمة، وجعلتني أخسر الأصدقاء، ويتجنبني الزملاء، ولا أستطيع السفر لست عشرة دولة عربية أغضبت كتاباتي أسياد قصورها، فانتقل الغضب فورا إلى أصحاب اليونيفورم الذين يقومون بزيارة المواطن قبيل صلاة الفجر!

الحرية لمعتقل الضمير والرأي، مسكن لائق لكل أسرة، طعام جيد لكل فم، مياه غير ملوثة، مساحة خضراء تتنفس فيها الروح لتمنح الجسد قوة جديدة، انتهاء آخر أميّ لا يستطيع أن يقرأ رسالة من الدولة أو يكتب خطابا لأمه، إدارة سليمة وذكية وشريفة تنهي عصر الموظفين الموميائيين القساة، حرية دينية تجعل المواطن يتوجه إلى الله بارادة حرة وليس بعصا غليظة فوق ظهره، مساواة كاملة بين كل الأديان والطوائف والمذاهب، حرية الخروج من الوطن والدخول إليه ولو سبعين مرة في اليوم، معاش كريم لكل مُسِنّ، مستشفيات نظيفة، أطباء رحماء وممرضات لهن أجنحة ملائكة، أسعار مواد استهلاكية ضرورية لا تثقل كاهل الفقير، تذويب للفوارق بين الطبقات، رجال دين يعيشون العصر الحديث ويستخدمون عقولهم فينقلون المواطن إلى القرن الثاني والعشرين بدلا من اعادته إلى القرن السابع، وسائل اعلام تمارس المصداقية والشفافية والشرف والنزاهة، مشروع قومي ينهي كل قطعة بانجو وحشيش ومخدرات وهيروين مع علاج المدمنين الذين افترستهم وحشية مهربي وتجار السموم البيضاء، قضاء تام على العنوسة وانهاء آلام وأوجاع ملايين من أولياء الأمور في عالمنا العربي الذين تتحول دموع بناتهم إلى جمرات يتقلب الآباء والأمهات عليها، دواء لكل مريض، وطبيب يلهث إليك قبل أن تضع سماعة الهاتف فقيمتك الانسانية بين يديه، ضمان اجتماعي لكل من لا يستطيع أن يعول نفسه أو أسرته، ومئات .. بل آلاف من الأشياء التي يطاردني التفكير فيها عندما يأتيني الوطن، في يقظتي ومنامي، فأشعر أن الغربة ليست في الابتعاد عنه ولكن في حمله معي فلا أدري بعدها إن كنت أعيش هنا وأتنفس هناك، أم أنني خسرت الاثنين معا!

فجأة قفزتْ إلى الصدارة أولوية ما كان لها أن تتقدم صفوف المطالبات الوطنية لكرامة المواطن في عالمنا العربي لولا بضعة أيام قضيتها أوائل هذا الأسبوع في مستشفى ريكس هوسبيتالا بالعاصمة النرويجية أوسلو!

إنها العلاج المجاني والكريم والتام لكل مريض!

قلت لطبيبي الخاص ( لكل مواطن في النرويج طبيب ثابت يختاره بنفسه أو تختاره له الدولة ) بأنني أشعر بآلام في الرقبة ، وأن تورّما بدا ظاهرا في جانبيها. قام على الفور بعمل كشف مبدئي، وكانت يداه ترتعشان قليلا لأن ذهنه كان منشغلا باحتمال اصابتي بمرض السرطان.

اتصل على الفور بالمستشفى، وطلب كشفا عاجلا في القسم الجديد والمجهز بأحدث تقنيات الكشف ومعالجة الأورام السرطانية، ثم قام بعمل تحليل للدم لم يجد فيه شيئا يثير الاشتباه.

في الموعد المحدد تم الكشف الكامل فلم يعثروا على أي دليل، فعدت إليهم لتحليل جديد في خلايا الرقبة لعله يهديهم إلى معرفة المرض.

بعد شهرين من كل أنواع الكشف والتحليل، جاء موعدي مع طبيب جراح وهو الدكتور أولاف يتليند الذي استقبلني بحفاوة، وسألني عن مسقط رأسي، وبدأ يتحدث عن أن مكتشف كروية الأرض عالم ليبي كان يعيش في الاسكندرية.

قال لي بلهجة الخبير بأنه ليس هناك في جسدي أي أثر لمرض السرطان، وأن هذا تضخم في الغدة الدرقية مضت عليه سنوات دون أن أنتبه إليه، وأنه يفضل اجراء عمليه جراحية لاستئصاله، ولعلها تكون في نهاية الصيف، وسيجريها لي بنفسه.

طلبت منه أن يُعَجّل قدر المستطاع، فكتب في ملفي الصحي عن رغبتي في التعجيل بالجراحة.

بعد فترة قصيرة تسلمت ثلاثة خطابات من المستشفى: الأول بتحديد موعد العملية الجراحية، والثاني يسبقه وهو لعمل أشعة مقطعية لتسهيل الأمر على الطبيب الجراح، وبينهما موعد لبحث الحالة الصحية لي لتكون جاهزة قبل العملية تجنبا لأي خطأ في التخدير أو الحساسية أو ردود فعل الجسد غير المتوقعة حينما أرقد تحت مشرط الجراح!

في كل زيارة يكون هناك تحليل للدم، ويكون هناك جورنال، أي ملفي الصحي، كاملا على الكمبيوتر، فالدولة مؤسسات متكاملة ومتصلة ببعضها، ولعلك لن تكون بحاجة لشرح زيارة لطبيب أو عملية جراحية سابقة أو حساسية ضد دواء، فملفك الصحي مفتوح في دائرة الكترونية صغيرة لا يطلع عليه إلا الأطباء .

الطبيب المساعد قام في يوم بحث الحالة الصحية بكشف دقيق على أجهزة الجسم الذي سيكون بين ايديهم في خلال بضعة ايام: الأنف والأذن والحنجرة والجهاز التنفسي وتحليل الدم ونبضات القلب والضغط وأي دواء لمرض آخر قد يتصادم مع الجراحة، وشرح لي احتمالات الخطورة.

كان شابا عراقيا وسيما ومهذبا، وسألني بأي لغة أفضل الحديث معه! قلت باللغة النرويجية في وجود الممرضة السكرتيرة وبالعربية عندما نكون بمفردنا.

قال لي بأننا في العراق نقول للمريض بأن كل الأمور ستجري على ما يرام، وأن الأمر بسيط للغاية، ولن تكون هناك بإذن الله أي مضاعفات، أما هنا فلدي تعليمات من الادارة الطبية النرويجية أن نقول الحقيقة كاملة دون لف أو دوران ولو كانت صادمة، ثم أكمل شارحا لي الخطورة وهي خطأ من طبيب التخدير، أو نزيف داخلي غير متوقع، أو مكروه يحدث للحبال الصوتية بحكم اقتراب التضخم منها، ثم أردف قائلا: وهذا ليس ورما خبيثا أو حميدا، لكنها تغييرات حدثت في الغدة الدرقية جعلتها تتضخم إلى الداخل.

ثم قال لي بأن العملية ستجرى قبل موعدها بيوم واحد، والطبيب الجراح ماهر جدا وقام باجراء عمليات مشابهة مئات المرات، فلما سألت عن اسمه علمت بأنه جراح آخر غير الدكتور أولاف يتليند الذي ترك لدي انطباعا حسنا، وراحة نفسية.

سألت عن امكانية أن يجريها لي الدكتور أولاف يتليند، فقامت الممرضة بالاتصال به فورا قائلة بأن المريض يريدك أنت أن تجري العملية، فوافق على الفور شريطة تأجيلها يومين فقط!

في دقائق معدودة كان الموعد قد تغيّر، ورغبتي تحققت في اختيار الطبيب الجراح، وطاقم العملية تم تحديده مسبقا، ولم تبق غير أربعة أيام أستعد فيها نفسيا لفتح رقبتي، واستئصال ما يراه الطبيب الجراح ضروريا.

الرسالة تحتوي على كل التعليمات التي ينبغي لي تنفيذها قبل موعد اجراء الجراحة بنصف يوم، وأهمها الصيام عن الطعام والشراب قبل منتصف ليل اليوم الموعو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

العروسة باربي تغطي وجهها !

كتبها جميع المقالات في مدونة طائر الشمال بقلم محمد عبد المجيد ، في 11 يوليو 2009 الساعة: 10:16 ص

 

أوسلو في 4 يوليو 2009

كلما زادتْ السلـطة في قمعِها للرجلِ، وجَدَ مُتنفسَه في قهرِ المرأةِ!

والمرأة العصرية بقدْر ما حققتْ من نجاحات في حركاتِ التحرر، ووصلت إلىَ أعلىَ المناصب في الدفاع والداخلية والاستخبارات والدبلوماسية والقضاء وعُضوية محكمة العدْل الدولية والأمم المتحدة، إلا أنها في حقيقة الأمر لا تزال مثل العروسة باربي» يُحَدّد لها مالكوها ملابسَها، قِصَراً وطولا وعرضاً وقِماشاً و .. ألواناً!

لدىَ الحديثِ عن المرأةِ يحصل نصفُ العقل على عُطلة، ولكنَّ بعضَ النساءِ يُفَضّلن اعطاءَ العقلِ كله عطلة كاملة .. مدفوعة الأجر!

الدينُ قد يكون حالةً من الوعي الكامل، واليقظة، والمنطق، والذكاء، والعلم، فيكتب قاسم أمين"المصريون" وهو من أروع كُتبه في الدفاع عن قِيَم الاسلام الحنيف، ويفسر الأستاذ الإمام محمد عبده آيات الذِكر الحكيم، ثم يُصدر فتاواه فتبدو كأنها والعقل توأمان لا ينفصلان.

وتقرأ للشيخ محمود شلتوت ومالك بن نبي ومحمد أسد وروجيه جارودي ومراد هوفمان وفانساي مونتاي والدكتور أحمد صبحي منصور فلا يخالجك أدنى شك في أن الإسلام رسالة سماوية و .. وماينطق عن الهوى.

والدينُ قد يكون حالةَ تخدير، وبانجو مقدس، وتصادماً مع المنطق، وتهكماً على العقل، ودعماً للطغاة، وحارساً لزنزانات يقبع فيها عشاقُ الحرية، وهنا يأتي دور أدعياء حراسة العفة، وهم الخصوم الحقيقيون للمرأة الحرة وأعداء انسانيتها، فيقومون بنفس عملية وأد الأنثى ولكن بطريقة مختلفة!

تغطية وجهِ المرأة يمثل أوضحَ عمليةِ استغفال واستحمار لحوّاء الجديدة، واستهزاء بانسانيتها، وتحريف لآيات الله البينات في عمليات تأويلٍ لا تختلف كثيراً عن تزييف المُقَدّس، وتزوير كلام الله.

لستُ هنا بصَدَدِ الاستشهاد بالآيات التي تؤيد أو تعارض من منطلق الفهم الصحيح أو السقيم للمُفسّر، فالشيطان يستطيع أنْ يستشهد بالآيات البيّنات في كل الكتب المقدسة والوضعية ، السماوية والأرضية، فتعفو وتصفح.. أو تقتل وتُنَكّل، ويمكنك أنْ تقارع الطاغيةَ باسم الدين، وتُعطيه قفاك ليسلخه باسم الدين أيضا و .. طاعة ولي الأمر!

يمكنك أنْ تحب اللهَ وتعْبُده وتستخرج من كتابه العزيز الخيّرَ والتسامحَ والجمالَ والحبَّ والحرية والمساواةَ والعدل، وبامكانك أنْ تبحث في نفسك عما تظن أنه تفسيرٌ لكلام الله، وستعثر على العنصرية والعصبية والقتل والذبح والظلم والطائفية والكراهية والاستعلاء، وتتقرب إلى الله بتفجير نفسك في روضة للأطفال!

تقرأ هذا المقالَ فتهتف باسم تكريم المرأة واحترامها وتقديرها في كشف وجهها، أو تلوّح بقبضتك لكاتبه، وتهدد، وتتوعد، وتستدعي من قاموس شتائم المهووسين الجدد ما تنفجر منه حروف الضاد حزنا وكمدا!

يمكنك أنْ تتنفس شجاعةً من الدين، وأنْ تركن إلى الجُبن وفقا لتفسيراتٍ استمعت خلالها إلى نداءِ العقل أو .. صوت الغباء!

عشرات من ضيوف الفضائيات يُطلّون على ملايين المشاهدين وقد نزعوا رؤوسَهم، ووضعوا بدلا منها صناديقَ متحجرة مضت عليها قرونٌ طويلة، ومع ذلك فإنَّ أتباعَهم ومريديهم يتضاعفون في كل مكان!

لو وقف طبيبٌ صيدلي على قارعة طريق يُرَوّج لدواءٍ جديدٍ انتجته أشهر شركة دواء سويسرية بعد تجاربَ واختباراتٍ لسنواتٍ طويلة، ووقف بالقرب منه دجــالٌ مُشَعْوّذ يبيع أعشاباً مسمومة وملوَثة يقول عنها أنها تؤدي نفسَ المهمةِ العلاجية، فإنَّ الناسَ ستتدافع لشراء الأعشاب الملوثة، وربما ينظرون إلى الطبيب الصيدلي باحتقارٍ وازدراءٍ متهكمين عليه، وأكثرهم سيطلبون من الدجال أنْ يمنحهم أيضا بركاته ودعاءه!

تغطية وجهِ المرأةِ هو الاستحمار الذكوري للمرأة المسلمة لأنه يُلغي وسيلةَ ايصالِ كل مشاعر الأنثى التي خلقها ربُّ العزة، وجمعها في الوجه فتُعَبّر في أي مناسبة عما يجيش داخلها من محبة وطيبة وكراهية واحتقار وغضب وحزن وأنفة وكبرياء وسذاجة وغباء وذكاء ومقاومة وإيمان وكفر وتكذيب وتصديق واستعلاء واستنكار وبهجة وفرح وتعاسة وبؤس وشقاء وشبع وحرمان ……الخ

الوجه جعله خالقُ الكون العظيم مرآة لما يعتلج داخل النفس، ففيه حمرة الخجل، واصفرار المرض، ولون الصحة النفسية، وجعل، جَلّ شأنه، سيمانا في وجوهنا، وجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف، لا ليختفي نصفنا من النصف الآخر.

هل هناك أسهل وأيسر من أن تنزل آية كريمة، واضحة لا لبَس فيها ولا تحتاج لقوّلَيّن أو أكثر ، فيقول لنا العزيز الوهاب بأن على المرأة المسلمة أن تغطي وجهها كله، بدلا من قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، فيأتي أمر الله مباشرة، حاسما وقاطعا الطريق على أي تأويل إلى يوم القيامة، تماما كما حرّم الخمرَ ولحمَ الخِنزير وشهادة الزور وقتل النفس بغير حق؟

قضينا طفولتنا وشبابنا، والجسدُ يثور، ويهيج، وتتفاعل داخله معالمُ البلوغ والمراهَقة، وشاهدنا وجوه قريباتنا، وجاراتنا، وزميلاتنا، ومذيعات التلفزيون، واينما ولّينا وجوهَنا أبصرنا وجوهاً لا تستقيم الحياة الطبيعية بغير الاتصال بها، زمالة وقرابة وصداقات عائلية، ولم نعرف أو نسمع أن حالة من التهيّج والانتصاب والرغبة الجامحة كانت ملازمة لنا ليلا ونهاراً حيث لم تخل لحظة واحدة من وجه امرأة!

ثم جاء المسعورون الجدد، أصحاب التديّن الجنسي والتفسير البورنوجرافي فقتلونا بهوسهم، وذبحونا بضلالهم، وجعلوا الدين كلَّه رسالة سماوية نزلت على الرجل لتُحَذره من الفتنة، وتحميه من نصفه الآخر وشريكته في خلافة الأرض، وتربط أسفله بوجه المرأة!

طبيبة تسأل شيخا عن مدى غضب الله عليها لأنها قامت بتوسعة فتحتي العينين في نقابها، وهي ترتدي نظارة طبية سميكة، وتعوق الفتحتان الضيقتان بصرَها لدى كشفها على المرضى!

لم ينفعها العلمُ والطبُ والتقدم والايمان برحمة الله والفكر والعقل فأهالت على كل ذلك الترابَ، واستبدلت برأسِها رأسَ مومياء تحنطت لآلاف الأعوام!

هذه الطبيبة الموميائية لا تختلف عن أي فتاة قررت بمحض ارادتها أن تستجيب لحراس الفضيلة الجدد الذين يعرفون تماما أن الغرض من حملتهم الحمقاء لفرض ثقافة الوأد الجديدة هو نشر الرذيلة، وأن يختلط الخير بالشر، ويتمكن الرجل من الخيانة الزوجية دون أن يعرف أحد هوية التي تسير بجانبه، وهو أيضا سيغض الطرف عن نشر الفساد في ربوع الدولة.

عندما يقيم رجل متنقب ثلاثة ايام وثلاث ليال في بيت رجل صالح يظن أن الخيانة لن تقترب من أسرته، وتقول له زوجته بأن صديقتها المتنقبة لديها مشاكل عائلية، وهي لا تكشف وجهها لأجنبي ولا يسمع صوتَها غيرُ مَحْرَم، فإنَّ الاستحمارَ هنا يمتد من بيت الرجل الطيب إلى الدولة كلها، ويكون المسعورون الجدد قد ختموا أقفيتنا بالبلا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

برونتو .. العقيد في ايطاليا!

كتبها جميع المقالات في مدونة طائر الشمال بقلم محمد عبد المجيد ، في 11 يوليو 2009 الساعة: 10:14 ص

الجماهيرية العظمى هي اللا دولة الوحيدة في العالم التي لا يستطيع أحدٌ أنْ يُمَيّز فيها بين الدراما الكوميديةِ والملهاة التراجيديةِ،فالعقيدُ يلعب كلَّ الأدوار علىَ خشبةِ المسرح، ثم يرفع الستارَ فجأةً، فإذا أسدله تحوّل المسرحُ إلىَ سيركٍ، والجماهيرُ تضحك حتى الثمالة، لكنَّ الحقيقة أنَّ صاحبَ كلِّ الأدوار هو الذي يضحك عليها، ويفرّغ جيوبَها، ويسخر مِنْ عقولِها، ويجعلها شاهدَ زورٍ علىَ أكبر عمليةِ قمعٍ لشعبٍ عربي دامتْ أربعة عقود!
كان من المفترض أنْ يكون تاريخُ الطغاةِ درساً نتعلم منه كيفية مواجهةِ هؤلاء الأوغاد الذين يحكموننا، فتعلمتْ شعوبٌ أخرى بعدما دفعتْ من دماءِ أبنائها الملايين بسبب السماح لملوَّثين ذهنياً، ومرضىَ عقلياً بالوثوبِ علىَ كرسي السلطة، فوقف موسوليني فوق دبابة متهكما على الفاتيكان، ومتسائلا عن عدد الدبابات التي يملكها الحبْرُ الأعظم!

وأوحى هتلر لشعبه أنه جاء ليمحو آثارَ هزيمةِ ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، فإذا بهوسه، وعنصريته، وجنون العظمة الذي تجسد فيه يجعل أوروبا تدفع ستين مليونا من أبنائها إلى محرقة حرب عالمية جديدة، واختلط النضالُ في الدفاع عن الوطن بالقسوة والكراهية، فتحررت ألمانيا بهزيمتها من الطاغية، وقام المحررون باغتصاب مليون امرأة ألمانية، وكتب المنتصرون التاريخ، كالعادة، حتى إلى وقت قريب لم يكن أحد يعرف أن 12 ألف ضابط بولندي قتلهم الروس الأصدقاء المضيفون بدم بارد بعدما كتب التاريخ لعدة عقود أن الألمان هم الذي قاموا بتصفيتهم.

طغاة من نسل مصاصي الدماء كانوا يتناثرون في كل أوروبا، حتى في ألبانيا التي حكمها أنور خوجا، وقطع علاقاته بالغرب والشرق، وأجبر كلَّ مواطن أنْ يكتب السيرةَ الذاتية لنفسِه، وأنْ يُعدد أسماءَ الجيران، والأقارب، وأنْ يتهم بعضَهم بمعاداة الثورة، فإذا لم يعثر على متهم فعليه أنْ يتهم نفسَه!

طغاة كانوا مناضلين في الحركات الوطنية والمقاوِمة، فياروزلسكي البولندي كان من أوائل من دخلوا برلين بعد سقوط النازية، وهو نفس الشخص الذي أمر باطلاق الرصاص على المتظاهرين، واعتقل مئات الكُتّاب والصحفيين والمثقفين عام 1981، وأجبر مذيعي التلفزيون أن يرتدوا الزيَّ العسكري، ونيوكولاي تشاوشيسكو الروماني حوّل رومانيا إلى سجن كبير، وكانت زوجته تحكم من وراء الستار تماما كما فعلت زوجه أنور خوجا الديكتاتور الألباني.

إلا في عالمنا العربي فكأننا نعيش خارج الزمن والتاريخ، رغم أننا نملك كلَّ وسائل اسقاط أي طاغية، فملايين من العرب يتنفسون حريةً في الخارج، ويملكون من أدوات الاتصال والتحريض ما لم يكن حتى حلما في أذهان الغاضبين على مستبديهم في زمن مضى.

المواطن العربي الذي كان يحمل الجنسية المصرية أو الأردنية أو التونسية أو السورية أو الليبية أو غيرها ويقيم الآن في السويد أو أمريكا أو أستراليا أو في قرية مجهولة بجنوب النمسا أو في مزرعة بشمال بلجيكا أو يعمل في ميناء روتردام يحمل معه كل مشاعر الخوف والرعب كأن زائرَ الفجر سيحصل على تأشيرة دخول شينجن، ويصل إليه بطائرة خاصة، ويقوم باصطحابه من رقبته إلى واحد من سجون الزعيم!

والانترنيت شاهدٌ على صحة ما يظنه البعض مبالغات، فملايين من العرب المقموعين الذين يلعنون في غرف نومهم زعماءَ بلادهم يتحولون إلى قطط وديعة فوق الشبكة العنكبوتية، فعفريت الزعيم يتجول ليحصل على (آي بي ) لكل جهاز كمبيوتر يجلس أمام شاشته متمرد أو غاضب أو غيرُ راضٍ أو حتى عاتب على استحياء على جرائم سيد القصر.

العقيد معمر القذافي نموذج سيتدارسه تلاميذ المدارس في عقود قادمة عندما يدفن التاريخ في هوامشِه طغاة الوطن العربي، فهو يملك فلسفة في الطغيان لا نظير لها وهي حماية نفسه كمستبدٍ بجعل الاستبدادَ رديفا للبهلوانية، وأنْ يصبح الزعيمُ بلياتشو فلا تدري بعدها مَنْ الذي يضحك علىَ الآخر: قائد الثورة أم الشعب!

الذاكرة الأوروبية والأمريكية قوية إذا تعلق الأمر بتفاصيل الحرب العالمية الثانية، لكنها ضعيفة أمام طغاة العالم العربي شريطة أن لا يُغضب الزعيمُ الدولةَ العبرية، وأنْ لا يقطع ذهبَه الأسود عن البيت الأبيض، وأن يقترب مفهومه للارهاب من مفاهيم ناصعة البياض أوروبيا وأمريكيا!

هبط العقيد بصعوبةٍ بالغةٍ سلالمَ الطائرة وكان في انتظاره بالأحضان الدافئة ملكُ الإعلام .. رئيس الوزراء برلسكوني ( تذكرتُ كتابا قرأته بالفرنسية منذ ربع قرن يحمل عنوان: هؤلاء المرضى الذين يحكموننا!) ولم تكن دهشة رئيس الوزراء الايطالي الذي يستقبل ديكتاتورا مريضا أكثر من دهشة الرئيس الأمريكي الشاب الرياضي الذي استقبله في القاهرة مريض وديكتاتور آخر ، فالمرض في عالمنا العربي سر من أسرار الكون، وطبيب العائلة الحاكمة يحمل كفنه معه كلما أمسك الترمومتر لقياس حرارة سيدنا ( انظر كتاب الدكتور علاء بشير: كنت طبيبا لصدام حسين)، أما طبيب الأسنان لديكتاتور ألبانيا أنور خوجة فقد تم اختطافه ليحل محل الزعيم المريض .. طريح الفراش ريثما تقوم الزعيمة نيكسمي خوجا بإدارة شؤون البلاد والعباد ( من منا يتذكر أرملة زعيم عربي عندما كانت تعطي ضيوفها المغضوبَ عليهم بسكويتاً، ثم تلقي قطعة لكلبها لكي ترمز للضيوفِ أنها لا تفرّق بينهم وبين الكلابِ في حُسن الضيافة؟).

جرائم العقيد في ليبيا طوال أربعة عقود سقطت من الذاكرتين الغربية و .. العربية، فأموال الشعب المسكين بين اصبعين من أصابعه، يدفع منها تعويضات لجرائمه، ويسدد ديونَ النوادي الرياضية المتعثرة ماديا شريطة أنْ يرتدي لاعبوها فانيلات عليها صورة الكتاب الأخضر، أو يُسكت بها ألسنة وأقلامَ زملائِنا في السلطة الرابعة، أو يقوم بتبذيرها في مشاريع فاشلة، فكيف تكون هناك توشكى في مصر دون أن يخترق النهر الاصطناعي العظيم الصحراء الليبية، فميزانية الوطن يتحكم فيها شخص واحد؟

عذابات الشعب الليبي وأوجاعه وفقره وكل صور القمع مسؤول عنها كل من يعترف بالعقيد، ويدعمه، ويصمت عن ج

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ولكن جمال مبارك ليس مواطنا!

كتبها جميع المقالات في مدونة طائر الشمال بقلم محمد عبد المجيد ، في 11 يوليو 2009 الساعة: 10:11 ص

 

أوسلو في 9 يوليو 2009
يصدر مدير السجن أمرا باجراء انتخابات لتنصيب من سيأتي بعده رئيسا للمعتقل الكبير، لكن ابنه الذي تم اعداده لسنوات طويلة يقرر الترشح أمام منافسَيّن أو ثلاثة بعد اعطائهم حرية الحركة خارج الزنزانة لتكتمل الصورة الهزلية لمسرحيةِ ديمقراطيةِ المعتقلين!

ويكاد يُجمع المعتقلون أنَّ ابنَ مديرِ السجن واحدٌ منهم، وأنه يملك الحقَ المطلقَ بحُكْم المواطنة الزنزانية، وجردل الماء والبول، ومشاركة السجناء في غسل المراحيض، وتلقيه معهم ضربات من كرباج الشاويش ذي الشارب الكث، والكف الغليظة، والعينين الحمراوتين، ولم يبق إلا أن يقولوا بأن المديرَ الشابَ القادمَ لديه أيضا بيجاما حمراء في حالة وقوفه أمام عشماوي!

هذا هو المشهد المصري المغرَق في الكوميديا السوداء فلا تدري إنْ كنتَ في سرادق عزاء لوطن أم أنك تحضر مسابقة أجمل نكتة والتي تقام فوق المقابر !

جمال مبارك ليس مواطنا مثل أبناء مصر، ولا يجلس باكيا يوم السابع من كل شهر لأن مرتبه نفد ولا يستطيع شراء الزيت والسكر والحليب، وهو مضطر لاستخدام لمبة الجاز بعدما تم قطع الكهرباء لعدم قدرته على السداد!

جمال مبارك ليس مواطنا، لكنه سيد، والأسياد لا يترشحون أمام العبيد، وهو الذي يحاسب الآخرين ولا تستطيع جهة واحدة في مصر كلها من باخرتها الغارقة إلى مسرحها المحترَق، ومن مُقَطمها الجاثم فوق أبناء القهر والفقر والبؤس إلى مدافنها التي يحسد أحياؤها أمواتها على الهدوء والسلام أنْ ترفع اصبعها احتجاجا أو تذمُرا أو تلجأ إلى القانون والدستور وشرعة حقوق الانسان، فالرجل الكبير يملك مصر، برا وبحرا وجوا، وهو شريك لله، تعالى، في العبودية، غير أن الله، سبحانه، يرحم ويعفو ويصفح، أما مالك مصر ورقاب شعبها فقد تلقى من المديح والولاء والثناء والاستجداء والاستغفار أكثر مما تلقى العلي القدير حتى لو تنقبت أو تحجبت كل نساء مصر والتحى أبناؤها وكحّلوا عيونهم وضاعفوا صلاة التراويح سبعين ضعفا، فالعبودية عبوديتان، واحدة شكلية لخالق الكون، والأخرى واقعية لسيد القصر وابنه ومن يحملون اسمه!

جمال مبارك ليس مواطنا يقدم الاقرار الضريبي، ولا يستطيع وزير المالية أو الجهاز المركزي للمحاسبات أن يمنع عنه طلبا باستئجار فنادق وسيارات وطائرات ليحتفل بدخوله عش الزوجية، على نفقة الدولة، ولو أراد اصطحاب الأسطول البحري كله معه في رحلة صيد لقال له وزير الدفاع: طلباتك أوامر يا فندم!

لو سافر جمال مبارك إلى أمريكا والمكسيك، وصافح كل مرضى أنفلونزا الخنازير، ثم عانقهم وعاد بعدها إلى مصر فلا يستطيع وزير الصحة أن يطلب منه في مطار القاهرة الدولي الخضوع لفحص طبي، ولو طلب منه ذلك وغضب ابن الرئيس فيمكنه أن يغلق كل مستشفيات مصر، ويلقي بالمرضى والأطباء والممرضات إلى الشارع أو يعتقلهم بغير محاكمة.

جمال مبارك ليس مواطنا مثل أهل مصر، وجواز سفره ممنوع رؤيته على كل أجهزة الأمن والمخابرات، وهو لا يقوم بتجديده مثل بقية خلق الله من المصريين، ولا يذهب إلى البنك ليضع مرتبه في حسابه، إنما يأتي إليه البنك ومديره!

جمال مبارك فوق القانون والدستور، ولا يقف أمام هيئة محكمة ليدلي بشهادته أو يدافع عن نفسه، ولو استدعته محكمة مصرية فإن وزير العدل سيجلس في بيته آخر اليوم تكفكف له زوجته دموعا دافئة على منصب احتفظ به مادام السيّدُ ابنُ السيدِ راضيا عنه، وفقده عندما تصور أن ابنَ الرئيس يتساوى مع المصريين!

صديق لي كان يعمل شقيقه الأكبر في كندا لأكثر من ربع قرن، وكَوّن ثروة لا بأس بها، ثم عاد إلى مصر بفكرة مشروع كبير ومنتج وسيُدِرّ عليه وعلى الدولة أرباحا يسيل لها لعابُ أي رجل أعمال. قضى الرجل ثلاثة أعوام يتنقل ما بين توقيع لموظف وشهادة من هيئة أو مؤسسة اسكانية ويقف عند عشرات التصريحات التي لا يُذيّلها قلم مرتش.

وبعد أن تمّت كل الاجرات القاتلة، وكادت الموافقة النهائية تسقط فوق مكتب المهاجر العائد الذي كان متفائلا، حتى رن الهاتف الأنيق عن يمينه، فإذا المتحدث هو ابن الرئيس، شحما ولحما وصوتا: الآن يمكنك أن تبدأ مشروعَك، وستصلك الموافقة النهائية شريطة أن نتقاسم 50%!

كانت المفاجأة على الرجل كبيرة، فحزم أمتعته، وعاد إلى كندا بعدما أقسم برب العزة أن لا يعود إلى مصر مادام حياً!

جمال مبارك رضع احتقار المصريين في قصر للشياطين، وهو ابن طاغية مجرم دَمّرَ واحدة من أجمل بلاد الدنيا وأكثرها عراقة وضربا في جذور التاريخ، ويعرفها تلميذ الابتدائي في أي مدرسة في العالم، من ريجا إ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أحفاد الرئيس لهم الجنة، وأطفالنا ولاد ستين ألف كلب!

كتبها جميع المقالات في مدونة طائر الشمال بقلم محمد عبد المجيد ، في 11 يونيو 2009 الساعة: 17:48 م

 

وسلو في 27 مايو 2009

رائع جدا أن يتكاتف المصريون للتعبير عن تلك المشاعر الانسانية الراقية، بل ويبكي بعضهم طفلا لم يبلغ الثالثة عشرة من عمره في الوقت الذي تلعن خلجاتهم العهد الأسود للرئيس حسني مبارك!

أما أن للطفل الراحل الجنة فهذا لا يشك فيه لحظة واحدة أي مؤمن بأن الأطفال عيال الله، وأن الطفل ليس بالضرورة مع والديه، وأن أطفال المسلمين والأقباط واليهود والبهائيين والمجوس والبوذيين والملحدين والطغاة والسفاحين سيكونون في رحاب الجنة يتمتعون بنعمة الله وفضله.

أتفهم تماما أسباب انزلاق دمعتين على الوجه من أي مصري إثر الاستماع إلى خبر رحيل حفيد الرئيس جراء فيروس أو تسمم أو لوكيميا أومرض عضال، لكنني أشعر بالقرف الشديد والغثيان عندما تلطم الدولة كلها وجهها، وينخرط كبار رجالها في بكاء وعويل، ويأمر رئيس مجلس الشعب بوقف بحث قضايا الناس وهمومهم وأوجاعهم وتعطيل الجلسات رغم أن الأموال التي يحصل عليها أعضاء مجلس الشعب حرام وسُحت وسرقة واحتيال.

والرئيس مبارك قال بأنه يحتسب حفيده عند الله ولعل رحيله يشفع له عند خالقه، والحقيقة أن الرئيس آخر من يحق له الحديث عن رحمة الله وعفوه ورضوانه، فكتابه يوم القيامة والذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها سيحتاج لعصبة من الملائكة ليقرأوه على مسامعه.

هؤلاء المصريون الطيبون الساذجون الذين يظنون أن الرئيس ربما يتوب، ويستيقظ ضميره، لا يعرفون أن إبليس أقرب إلى التوبة من الرئيس المصري، ولو أراد التوبة فقد منحه الله ثلاثة عقود كاملة ليقتطع منها دقائق معدودة يبحث فيها عن شعبه،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سيدي جمال مبارك .. الآن يمكنك أن تعتلي عرش مصر

كتبها جميع المقالات في مدونة طائر الشمال بقلم محمد عبد المجيد ، في 11 يونيو 2009 الساعة: 17:43 م

 

أوسلو في 7 يونيو 2009

لا أخشى على الشعوبِ من الطغاة أكثر من خشيتي عليها من أبنائهم، فهم مُفككون، مرضى نفسيون، كارهون لمن أعطوا ظهورَهم لسياط آبائهم، متمسكون بشرعية الاحتقار والازدراء ، مؤمنون أنَّ وراثة الحُكم تستلزم أيضا وراثة الأرض والناس والخيرات حتى التاريخ تعاد صياغته لصالحهم، وتنبت شجرة العائلة من جديد فينسبونها للأنبياء والرسل والمصلحين والأشراف والثوار.

عندما يمر في ذهني مشهد مصرنا في عهدك بعد رحيل والدك الطاغية الأكثر إيغالا في القسوة من طغاة العصر تقفز إلى ذهني حكايتان تكشف كل واحدة عن نوعية العلاقة المستقبلية بينك وبين رقيقك المتلذذين بكرباجك، فإذا كنتُ أنا أرى مصرَ تنهار في عهد أبيك، فهي تنتهي، لا قدر الله، في عهدك، وتصبح قاعاً صفصفاً تذروه الرياح، وتَضْحىَ أمنية كل مصري أنْ تغرق به مركب قديم أمام شواطيء مالطا فالموت سيكون الحلمَ الورديَّ للمواطنِ المصري في عهد جمال مبارك.

الحكاية الأولى تلك التي حدثت في بورسعيد إثر ما سُمّي آنئذٍ بموكب السيد الرئيس عندما أسرعتَ أنتَ إلى استراحة الوزراء وقلتَ لهم غاضباً: يا ولاد الكلب الريس بتاعكم كان حيموت وانتم بتدلعوا هنا، فلما انبرى رئيس الوزراء مُهدئا من روعك، وقال لك بأنه مثل والدك فكيف توجه له هذه الشتائم، كان ردك المباركي الذي رباك عليك القصر وسيده: وانت كمان ابن كلب زيهم!

هنا انكشف المشهد المصري في مستقبل أم الدنيا عن جحيم سيجعل المصريين يلعنون يوم أن سقطوا من بطون أمهاتهم في عهد الوالد أو الابن، أو يلعنون يوم أن حمل القصرُ اسمَ مبارك فعجّل من يوم القيامة المصري!

الحكاية الثانية عندما أهداك وزيرُ الدفاعِ سيارةً مصفحةً مصنوعةً في الخارج خصّيصا لك، وحاول المسكينُ أنْ يجعلها مفاجأةً لعلك ترضىَ عنه، ولكن المفاجأة كانت من نصيبه وأنتَ تُلقى على الأرض مفتاحَ السيارة بميداليته الذهبية مُحتجا على لونها، فكأنك وضعت جيشَ العبور كله تحت حذائك، وكنتَ نموذجا مثاليا لتربية لقنكَ إياها الزعيمُ الطاغية، وانكشف المشهد المصري للمرة الثانية عن مدرسة لتعليم الطغاة في العالم برمته، فيأتوك أفرادا وجماعات لكي يتدربوا على يديك في كيفية قمع شعوبهم، تماما كما كان منيغستو هلامريم، النجاشي الأحمر، يتعلم من الرئيس الألماني الشرقي هونيكر، فكانت النتيجةُ نصفَ مليون قتيل إثيوبي في البلد المنكوب بالطاغية الشاب الذي قتل الطاغية الأكبر هيلاسلاسي خنقاً، ودفنه في حوض إسمنتي تحت أحد مراحيض القصر في أديس أبابا!

ثلاثة أرباع المليون من رجال الأمن سيقومون بحمايتك من غضب شعبٍ لا يغضب، وآلاف من الاعلاميين الذين تدخل بطونَهم أموالٌ حرام عليهم وعلى من يعولون سيتولون مهمة تلميعك، وتأهيلك، وتزييف أوراق الوطن، فالتعاون بين جهاز أمنك وأقلام المننتسبين للسلطة الرابعة جعل مقالات المنافقين والجبناء ومُحللي الحرام كأنها خرجت لتوها من مكتب ضابط أمن بعد أن وضعها في دبر مواطن ظن مباركاً الأبَ أو الابنَ ولياً للأمر، فإذا هما مُمثلا الشيطان في أرض الكنانة.

الطاغية الابن يزلزل كياني كله رعباً وفزعاً فالتوريث الجمهوري ليس نابعا عن حكومة ملكية، لكنه نقلُ مِلكية الشعب من رئيس منتخَب إلى رئيسٍ منتخَبٍ بفضل صناديق اقتراع تم تحديدُ النسبة التي يريدها الزعيم قبل فتحها بوقت طويل.

كيم إيل سونج يعطي رقبة الشعب إلى ابنه كيم يونج ايل، وعندما شعر الزعيم الابن بأن الوقت قد حان لتسليم العبيد إلى وريث جديد، أوحى إلى كل أجهزة الدولة أنْ تستعد لتقديم الولاء لحفيد كيم ايل سونج، فالأحفاد أيضا لهم حق الحلم بتحويل الوطن إلى كابوس، فكيم يونج أون سيكون الكيم الثالث الذي يحكم الدولة السجن!

أزعم أنك، سيدي الرئيس جمال مبارك، بعدما شاهدت الرئيسَ الشابَ أوباما يقفز صاعداً سلالم القصر ليعانق والدَك وقد تمكن الطبُ من جعله حياً نصفه موت لدقيقتين تمنيت أنت أن تكون مضيفَ زعيمِ البيت الأبيض، لكنه، لا ريب، يعرف مُسبقا أنك الحاكم الفعلي لأم الدنيا، ولعلك تذكرت الملك الراحل، الحسين بن طلال، عندما جعله الطب المتقدم الأمريكي ميتاً نصفه حياة ليومين أو أقل، فعاد ليُعَيّن ابنه وريثاً لعرش الهاشميين وسجونهم ومعتقلاتهم واتصالاتهم السرية والعلنية مع الموساد، ثم عاد أو أعيد لتفارقه الروح .

وأزعم أيضا معرفتك أن أعضاء مجلسي الشعب والشورى لا يساوي أيٌّ منهم في عُرفك صفعةً على الوجه من ضابطٍ صغيرٍ فيعرف أنه تحت قبةِ البرلمان شاهدُ زورٍ على ذبح وطن، وأن الذين غيرّوا الدستورَ في دمشق ليصبح ابنُ الرئيسِ الرئيسَ الابنَ في أقل من ربع الساعة هم القتلة الأكثر التصاقا بتاريخ أمم حكمها طغاة، وساعدها استعمار خارجي، وزوّر هويتها مثقفون وإعلاميون ومفكرون وأكاديميون وقضاة ومحامون وصفوة الشعب ونخبة القوم، وهؤلاء ستتورم أيديهم من التصفيق لك في أول خطاب تلقيه، ثم تبصق علينا جميعاً، فنسخةٌ جديدة من الدكتور أحمد فتحي سرور تستعد لتهبط بالمطرقة على مكتبه، وترمز بها للطرق على رؤوس ممث

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لماذا لا تقوم في مصر ثورة؟

كتبها جميع المقالات في مدونة طائر الشمال بقلم محمد عبد المجيد ، في 16 مايو 2009 الساعة: 07:19 ص

 

أوسلو في 5 مارس 2009

سحر الطاغية لا يعادله في قوته أي نوع آخر من القوى الخارقة، فإذا أضفت إليه نَسَباً فرعونيا يمتد لآلاف السنين فكأنك أصبحت على أعتاب وادي الملوك، أو تتفحص مومياءً لا تعرف إنْ دبّتْ فيها الروحُ من جديد أو نَزَعتْ منك الروحَ لتستبدل بالضيغم فأرا، وبالفهد أرنباً!
والطاغية ليس فقط صورةً معلقة فوق رأس موظف حكومي، أو فلقة تضغط عليها يد غليظة لمخبر جلف، أو خطبة ساذجة ومناهضة للعقل تقوم وسائل اعلامه بتلميعها، وتشذيبها، وتأهيلها لتطارد أذنيك وعينيك في كل مكان، إنما هو معبود في صورة مختلفة عن العبادة التي يعرفها أصحاب الديانات بكافة أنواعها، السماوية والأرضية، الراقية والبدائية، الصنمية والطوطمية!

والعبادة هنا تختلف من شخص إلى آخر، ومن جماعة أو طبقة أو حزب إلى عامة الناس، فالمسميات كثيرة، وأنت قد تعبد الفرعونَ بالصورة التي تحفظ لك مكانتك الاجتماعية، وتتحايل بها على الآخرين، وتقوم بتزييف الركوع والسجود والطاعة والمذلة والمهانة ولعق التراب الذي يسير فوقه الطاغية، لكنك تظل في دائرة التسامح الاجتماعي تجاه ما تقوم به من عمل مخالف للقيم الانسانية الرفيعة، ولكرامتك، ولنفخة الروح التي جعلتك خليفة في الأرض.

قد تلجأ إلى الدين، وتستقطع منه بمساعدة فقهاء السلطة الصورة التي ترضيك، فيوحون إليك أن طاعة ولي الأمر من طاعة الله، وأن الواجب الذي يرضي خالق الكون يحتم عليك الصمت، والسكوت، والصبر، وانتظار الحل السماوي، وعدم اتاحة الفرصة للغوغاء في تفكيك رباط الأمة المقدس، لكن الحقيقة أنك انخرطت في عضوية العبيد الذين يستعذبون الذل، ويتلذذون بالهوان، ويستمتعون بالسوط فوق ظهورهم.

وقد تلجأ بحكم ثقافتك إلى عقل هرب منه الفكر لتحل محله خرافات وخزعبلات وهراء وأمية ذهنية لا تطمح بأكثر من سد الثغرات في جمجمة لو عريّتها أمام الناس لخجلت من نفسك ما بقي لك من عمر، فأنت تبرر للطاغية سطوته، وتدّعي أنَّ العقل يدعوك لعدم المجازفة في مناهضة سيّد القصر خشية وثوب الغوغاء على كرسي الحكم، وتظن نفسك محللا مستنيرا ومسالما تنقذ الوطن بهدوء رؤيتك، والحقيقة أنك تُغرق الوطن عندما تعطل جهازك العصبي المفترض أنه قد انفجر منذ وقت طويل بعد متابعة جرائم سيدك وزعيمك وطاغيتك ضد الانسانية وضد أبناء شعبك.

وقد تلجأ لتبريرات أرنبية تتوهم بها أن عصا الشرطي تكاد تلمس ظهرك، وأن هاتفك مراقَب، وأن زائر الفجر في الطريق إليك ليطرق باب منزلك، وأن الخوف يحميك ويحمي أهلك وأولادك من مصير مجهول، وأن عذاب جهنم أخف من عذاب أجهزة قمع فرعونك، وأن ثمانين مليونا من البشر يعرف أحلامَهم في مناهضة السلطة عدةُ مئات يربطهم من رقابهم رجل وزوجته وابناهما!

وقد تلجأ في العبودية المختارة إلى أحقر الحلول، وأسفل التبريرات، وأحط صور المهانة الانسانية وذلك عندما تجد عذرا لفرعونك، وتراه حكيما أنقذك من خصوم الوطن، وعادلا إنْ لجأت إليه أنصفك، ووطنيا اشترك في حرب بحكم منصبه وليس له فضل يعلو على جندي بغير رتبه قفز فوق النيران ليرفع علم مصر في عبور بطولي رائع، ثم تتسلل رأسُك تحت حذاء ابنه الوارث قبل أن يجلس علي كرسي السلطة، وتتعفر جبهتك ترابا، وتكذب على السماء والأرض مَُّدعيا أن ثم

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ألم نقل لكم بأن مبارك شيطان يحكم مصر؟

كتبها جميع المقالات في مدونة طائر الشمال بقلم محمد عبد المجيد ، في 17 يناير 2009 الساعة: 09:40 ص

أوسلو في 9 يناير 2009

كل الطغاة يحرصون بين الحين والآخر على تلميع وجوههم حتى وهم ينهشون لحوم شعوبهم، إلا فرعوننا هذا الذي سيحتفل قريبا بيوم ميلاده الواحد والثمانين!
كل الطغاة على مدى التاريخ يجعلون استبدادهم رديفا لوطنيتهم، ظاهريا، ويعتبرون ملكية أرضهم كملكيتهم لرقيقهم، أي لشعوبهم، إلا مبارك فهو طاغية من نوع آخر.
سنوات طويلة ونحن نُحَرّض، وندعو للعصيان المدني، والانتفاضة، والغضب الذي هو أضعف الإيمان، فيتدافع المزايدون للدفاع عن قاتلهم بحجة أنْ لا بديل له، وأنَّ مصرَ عاقرٌ لم تعد تنجب رجالا، وأن قواتنا المسلحة الوطنية يمسك رقابَها شيطانُ قصر عابدين، وأنَّ الفقراءَ منشغلون بطوابير الخبز، وأنَّ شعبَنا غيرُ قادرٍ على تحمل واجبات الحرية والكرامة والعزة.
كل يوم تشرق فيه على استحياء شمسُ مصر التي غربت منذ سبعة وعشرين عاما يُخرج لنا إبليس لسانَه، ويتحدانا أنْ نحصي جرائم مبارك، فنبدأ في استدعاء مشاهد كارثية .. اغتيال 33 خبيرا عسكريا فوق نيويورك، احراق ملفات الدولة في مجلس الشورى، دفن مئات المصريين تحت جبل المقطم، سرطنة طعام المصريين، تفريغ مصارف الدولة من أموال الشعب وخيراته، تزييف إرادة الأمة في تزوير الانتخابات، صناعة غول الطائفية والفتنة بين المصريين، تقريب الفاسدين والمرتشين إلى صانع القرار الأوحد، تزويد إسرائيل بالوقود في انحياز كامل ضد الشعب العربي في فلسطين وفي كل مكان تطاله يد الغدر الصهيونية، صناعة الدولة الأمنية الحديدية التي يحاصر فيها سبعمئة ألف شرطي ثمانين مليونا من البشر، الاستهزاء بقدرة المصريين أن يخرج من بينهم زعيم أو قائد أو حاكم ليس من أسرة مبارك، استفزاز مشاعر الشعب لأكثر من عشرين عاما في اعداد وريث رغم أنف كل مواطن والايحاء بأن مصر بين خيارين لا ثالث لهما: الجحيم والفوضى أو جمال مبارك!
الاغتصاب المنهجي في أقسام الشرطة وفي السجون، احتقار السلطة القضائية وضرب ممثلها بالحذاء، اعتبار مجلس الشعب وممثليه رقيقاً ليس عليهم إلا طاعة ولي الأمر مع دغدغة مشاعر البسطاء والعامة والطيبين بأن الاسلام حريص أن لا يؤذي ظهرُ المسلمِ سَوْطَ حاكمه، وأنْ يشكر قفاه كفَّ الطاغيةِ لأن طاعة ولي الأمر من طاعة الله.
كل مشهد مصري في سبعة وعشرين عاما لا يحتمل غيرَ واحد من خيارين: إما أن يبصق على وجه كل جبان صامت، وإما أنْ يُعَجّل في لف حبل المشنقة حول عنق مبارك.
صانع للفتنة بين السُنّة والشيعة، وواضع لكل خطط ضرب الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط في مقتل، ومتخاذل في المواقف الوطنية، وكاذب حتى النخاع منذ وعده بعدم ترشيح نفسه بعد الولاية الثانية، وهو الآن في الولاية الخامسة ومريض، وحريص على الغاء كل من يُطيل قامته أعلى من قامة ابنه الوريث.
كتيبة حمقاء من الجبناء وخصوم الشعب وأعداء الانسانية وطابور مصر الخامس تتحرك في لجنة السياسات، وفي الحزب الوطني برمته، وفي وسائل الإعلام، وفي اجتماعات ناهبي مصر من لصوص الوطن وحيتانه وأصدقاء ابنَيّه، رجال أمن قساة، غلاظ القلب تطلقهم في الشوارع لصد مظاهرات الغضب، فرق كاملة من المسجلين خطرين وتجار المخدرات والبلطجية وقبضايات أقسام الشرطة وقد قامت الداخلية بتوزيع عصى مطاطية عليهم لمطاردة أبناء الشعب.
حرص شديد على اغتيال مصر، أو جعلها في ذيل ركب الأمم، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وإنسانيا وذلك بعد سنين طويلة من المحاولات المستميتة لتخريب الشخصية المصرية، وصناعة المصري السطحي، الفهلوي، غير المكترث بمصائب الوطن.
جرائم الطاغية حسني مبارك تحتاج إلى مئات من جلسات الاستماع في محكمة شعبية عادلة أغلب الظن أن قاضيها سيحكم عليه بالاعدام شنقا، أو رميا بالرصاص، أو رجما بحجارة المقطم، أو القاء لسمك القرش في البحر الأحمر، أو احراقا في مسرح أو قطار بعدما تجهش مصر كلها بالبكاء.
كتبنا .. وكتبنا .. وبكينا، واستصرخنا أهلنا المصريين في الوطن وفي الغربة، واستجدينا روح الشرف لدى المعارضة الوطنية، وحرّضنا قواتنا المسلحة على الانقلاب، وحلمنا بالبيان رقم واحد، وقبّلنا يدي البطل القادم الذي سيخرج من ثكنة عسكرية حاملا كرامة مصر وشعبها ليعلن من ماسبيرو عودة أم الدنيا إلى .. الدنيا.
قلنا بأن مبارك سيحرق مصر، وأنه سيُفرط في الوطن وأرضه ومياهه وقناة السويس وأرض سيناء التي يملكها غيلان المال الجدد ..
وقلنا بأنه مسؤول عن التفجيرات الارهابية، وتصفية قيادات في الجيش، وتحويل مباحث أمن الدولة إلى خصوم لشعبنا، والاستهانة بجهاز الاستخبارات، فوضع رئيسَه وسيطا بين الاسرائيليين والفلسطينيين في محاولة خبيثة لنزع روح المقاومة الاستخباراتية من أعضاء جهازنا الوطني الكبير.
قلنا بأنَّ من لا ثأر له مع مبارك فلن يشم ريحَ الجنة أو رضا الله ولو قضى حياته كلها معتكفا في مسجد أو كنيسة!
الآن فقط اكتشف متابعو العدوان الهمجي الفاشي الصهيوني على أطفال غزة أن مبارك عدو لله وملائكته ورسله وكل مصري يشرب من نيلها الخالد ويبكي على حالها البائس.
لا فائدة في الكتابة والتظاهر والتجمعات المتفرقة والسخرية والنكتة والشعر والخطابة والانترنيت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوار بين زنزانتين في سجن عربي

كتبها جميع المقالات في مدونة طائر الشمال بقلم محمد عبد المجيد ، في 1 أغسطس 2006 الساعة: 21:49 م

أوسلو في 15 نوفمبر 2003
 
فجأة وبغير سابق إنذار تمكنت زنزانة في سجن عربي من النطق حديثا عربيا فصيحا دون أن تدري أن جارتها الواقعة على يمينها في الممر المظلم المؤدي إلى سرداب دراكيولي مخيف ينتهي بزنزانات انفرادية تنزل الرعب في كل أوصال إبليس لو اقترب منها كانت تسمعها، فتبادلتا حوارا التقطنا نحوا من طرفه، فكان المشهد التالي …

قالت الزنزانة الأولى وقد بدت على محياها ملامح حزن لو نزلت على جبل لرأيته خاشعا متصدعا: بعد منتصف ليل أمس بقليل جاء حارس وأيقظ أحد سجناء الرأي الذين أمضوا ثلاثة أضعاف فترة العقوبة المحكوم بها عليه من محكمة عسكرية استغرق الحكم فيها دقيقتين وعشرين ثانية دون أن يستمع القاضي لشهود أو دفاع.
قالت الزنزانة الثانية وهي تبدي دهشتها: وماذا في هذا الأمر؟ هل هذا سبب حزنك ووجومك طوال اليوم؟
قالت الأولى: لقد عاد السجين بعد أقل من ثلاث ساعات وقد تهشم وجهه، وتكسرت بعض أسنانه، وأطفأ أحد السجانين في عنقه سيجارة مشتعلة، ثم انتهكوا جسده النحيل والمريض، وسمع زملاؤه صراخه المتواصل المختلط بضحكات مهووسة من سجانيه.
قاطعتها الزنزانة الثانية مستفسرة عن السبب العجيب الذي يجعل زبانية السجن يوقظون رجلا أقرب إلى الموت منه للحياة، ثم يصبون عليه جم غضبهم اللعين كأنهم حُمُر مستنفرة، فرت من قسورة!
قالت الأولى: لقد ارتكب جريمة نكراء عندما طالب في خطاب تشك إدارة السجن أنه تسرب إلى منظمة حقوق الإنسان بالافراج عنه بعدما أمضى ثلاثة أضعاف المدة المحكوم بها عليه.
ردت الثانية بسرعة: كأنك تحدثينني عن سجين في سجن تدمر السوري إبان العصر الذهبي لزبانية التعذيب في الثمانينيات عندما قامت سرايا الدفاع بقيادة العقيد رفعت الأسد بقتل سبعمئة سجين، ثم تم دفنهم في مقبرة جماعية ابتلعت في جوفها من قبل دفعات متتالية من الجثث المهترئة والمحروقة الملتصقة برؤوسٍ جماجمُ مهشمة كأن مجنزرات ضلت الطريق لتحرير الجولان ففضلت تحرير الوطن من مواطنيه.
سألتها الأولى قائلة: رفعت الأسد! أليس هذا الرجل شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد وهو صاحب القناة التلفزيونية شبكة الأخبار العربية التي تدافع عن المظلومين وتهتم بأخبار الانتفاضة الفلسطينية، وتُلقى دروسا على مشاهديها في الحرية والأخلاق والتسامح، والتي رفض الدكتور منصف المرزوقي الحقوقي التونسي وخصم زين العابدين بن علي أن تستضيفه؟
قالت الثانية: لم يجانبك الصواب في التعرف على الرجل وصفته ونَسَبه من الرئيس الراحل، أما دموع التماسيح على حقوق الإنسان فقد عرفها العالم العربي كله من القامشلي إلى أرض الصومال، ومن نواكشوط إلى حضرموت. لقد كان أمير المؤمنين الملك الحسن الثاني يلتقي في الدروس الحسنية بعلماء العالم الإسلامي ، ويخشع لذكر الله، ويقضي شهر رمضان المبارك في التعبد، ويقف الفقهاء والعلماء أمامه في خشوع كأنه يتلقى الوحي لكنه في الحقيقة كان منشغلا بدرجات التعذيب في سجونه، وكان يتحدى إبليس في عبقرية أفكار الشر حتى أن سجن تزمامارت يمكن أن يوصف بأنه قطعة من الجحيم الأخروي سقطت في المغرب واستقرت في هذا المكان اللعين الذي شهد أشد سفالات وحقارات وعفن ونتن الإنسان عندما يصبح أسفل سافلين ويستخرج من مكنونات هذا العفن أفكارا تعجز كل الشياطين عن الإتيان بمثلها ، حتى أن الملك أمر بسجن طفل في الثالثة من عمره وخرج من جحيم تزمامارت وقد بلغ الثالثة والعشرين من عمره الافتراضي، فاليوم التزمامارتي بخمسين سنة من سنوات السجون العربية الأخرى.
قالت الزنزانة الأولى وقد بدا عليها التأثر الشديد: تريدين أن تقنعينني أن سجون الحسن الثاني كانت أكثر عددا، واشد وطأة من السجون السورية؟ هل تعرفين أن عدد السجون السورية التي مر عليها أكثر من نصف مليون مواطن حتى الآن يعادل أضعاف ما بناه أمير المؤمنين على أرض المغرب، فهناك في سوريا .. قلعة النضال ضد الاستعمار الصهيوني سجن الحلبوني التابع للاستخبارت العسكرية، ومركز اعتقال القلبون، ومركز سوسة للمخابرات العامة، ومركز اعتقال الروضة، وسجن المخابرات الجوية، والسجن الايطالي، وفرع التحقيق العسكري بالجمارك، وسجن الزبداني، والسجن المركزي في حلب، وفرع التحقيق العسكري قرب محطة بغداد التابع للاستخبارات العسكرية، وسجن هنانو، وسجن الأمن السياسي بالجميلية، ومركز التحقيق الجنائي بالعزيزية، وعشرات غيرها؟
قالت الزنزانة الثانية: إن العبرة ليست بالعدد، ولكن بوسائل التعذيب المستخدمة في السجون والمعتقلات. ثم إنك تقولين بأن سجني سوسة والعزيزية في سوريا وأنا أظن أن الأول في تونس والثاني في جماهيرية العقيد بالقرب من طرابلس الغرب، أليس كذلك؟
قالت الزنزانة الأولى وهي تصحح لزميلتها معلوماتها عن أسماء ومواقع السجون العربية: الحقيقة أن سجن سوسة السوري غير سجن سوسة التونسي، فالأول يفتخر القائمون عليه بأن به أكثر من عشرين طريقة لتعذيب المعتقلين وتلقينهم آداب العبودية، أما الثاني فلم يشاهده أبو القاسم الشابي وهو يمتدح في أصيل سوسة، كما أنه قريب من كلية الطب التي حاضر فيها الدكتور منصف المرزوقي قبل أن يعلن نفسه مرشحا لرئاسة الجمهورية منافسا بذلك الرئيس مدى الحياة زين العابدين بن علي فدفع ثمنا غاليا، وانتهى به المطاف إلى عاصمة النور ، فالرئيس التونسي يعتبر رعاياه تحت حذائه، وسجونه ومعتقلاته وأجهزة استخباراته تنافس في قسوتها وظلمها وظلامها جيرانه ذات اليمين وذات الشمال، أعني الجزائر وليبيا.
بدا أن الزنزانة الثانية تريد أن تستزيد من علم جارتها، فسألتها بسذاجة: هل صحيح أن السجون السورية تنافسنا في قسوة الحراس وزبانية التعذيب والطرق الجحيمية الشيطانية لقهر السجين؟
لم تبتسم الزنزانة الأولى، ونظرت لصاحبتها بغضب شديد، ثم قالت لها: أزعم أنك ساذجة إلى حد البلاهة، فأنت وأنا لا نساوي ذرة واحدة في عالم الرعب العربي، وإذا كنت تظنين أن سجون صدام حسين قبل أن يختبيء كالجرذان في جحره، ويتكاثر القمل والبراغيث والحشرات في رأسه الأشعث الأغبر كانت أكثر عددا وهلعا ورعبا وسرية فعليك بمراجعة شاملة لمعلوماتك، وقبل أن أحدثك عن معتقل الجفرا الأردني أو معتقل طره المصري أو أبو سليم الليبي أو كوبر السوداني فسأسرد عليك وسائل التعذيب في السجون السورية كما بينتها اللجنة السورية لحقوق الإنسان وهي الضرب في جميع أنحاء الجسد وبكل الوسائل الممكنة من صفع وركل واستخدام أحزمة وأسلاك وعصي. والدولاب وهي ثني الجسم بحيث يوضع رأس السجين وقدماه في الإطار في وضع مقوس ويضرب على رجليه بالأسلاك أو السياط. وبساط الريح وهي صلب المعتقل على قطعة خشب على شكل جسم الإنسان وضربه وتعريضه لصدمات كهربية. والشبح وهي ربط يدي المعتقل خلف ظهره وتعليقه منهما أو من قدميه وفي كلتا الحالتين يستخدم الضرب أو الصدمات الكهربية. العبد الأسود وهي شد المعتقل إلى جهاز عندما يتم تشغيله تدخل قطعة معدنية حامية في فتحة الشرج. والكرسي الألماني ( وهي بالمناسبة وسيلة تعذيب كان يستخدمها شياطين الإنس في عهد الحسن الثاني ملك المغرب لتأديب من يناهضون حكم سليل الأشراف )، وهو كرسي معدني بأجزاء متحركة تربط قدما المعتقل ويداه، ويثنى بقية الكرسي إلى الخلف ليحدث ضغطا كبيرا على الرقبة والأوصال، ويضيق التنفس، ثم يصاب السجين بالاغماء.
أما الغسالة فهي برميل يشبه شكل الغسالة من الداخل ويجبر المعتقل على وضع ذراعيه فيه بحيث تنسحق اليدان أو الأصابع. أما حرق مناطق من الجسم كالظهر والرجلين والأعضاء التناسلية فيتم باستخدام سخانات كهربائية أو مكواة.
والحرق بالنار يبدأ بوضع قطعة قطن على جسم السجين وهي مبللة بالكيروسين، ثم اشعال النار بها، أو صب الكيروسين فوق القدمين واشعال النار فيهما. وهناك غرس قضيب مدبب ساخن في ظهر السجين أو صدره. توجيه صعقات كهربية عن طريق وصل الأسلاك بأجزاء حساسة من الجسم خاصة الأعضاء التناسلية. وضع مواد مالحة أو حامضة على جروح المعتقل لمضاعفة الآلام. تعليق المعتقل بمروحة تدور في السقف وضربه أثناء دورانها. نتف شعر المعتقل باستخدام كماشة. اقتلاع أظافر اليدين والقدمين. الاعتداء الجنسي. اجبار المعتقل على الجلوس فوق زجاجة وادخال عنقها في فتحة شرجه. تهديد المعتقل باغتصاب وتعذيب أهله وأسرته, واستخدام مكبرات الصوت لازعاجه، وعزلة في غرفة مظلمة لعدة أيام دون أي اتصال بالعالم الخارجي، وتعذيب زملائه أمامه، ومنع المعتقل من النوم أو قضاء الحاجة أو وسائل النظافة.
حاولت الزنزانة الثانية اخفاء تأثرها ودهشتها باعتبار أن ما ذكرته زميلتها قليل مما يحدث في سجون عربية أخرى، ثم قالت لها:إنك تقصين علي من نبأ أشياء تتكرر في العالم العربي من بحره إلى أنهاره كلها، المسروق منها المياه أو المحجوزة أو المحولة لخصوم العرب.
ثم حاولت استعراض معلوماتها أمام زميلتها الزنزانة والمعروف عنها أن من دخلها حيا تنبض فيه روح الأمل، لا يخرج منها إلا للقبر أو معاقا ما بقي له من عمر قصير، فقالت لها:
أما التعذيب بالملح فهو اختراع الجنرال محمد أوفقير لادخال البهجة على مولاه وسيده أمير المؤمنين الحسن الثاني، حتى قيل بأن الملك المغربي الراحل كان يدلف إلى زنزانات في معتقلات مغربية مخيفة ويشاهد بنفسه عمليات التعذيب.
في كتاب ( صديقي الملك) للصحفي الفرنسي جيل بيرو يقول بأن هناك سبعة طقوس متدرجة في الشدة لتعذيب الذين لا يرضى عنهم الملك.في الدرجة الثالثة يتم تغطيس وجه السجين في حوض مملوء ببول السجناء. كان هناك رجل في نحو الخمسين من عمره يقضي عامه الثالث لأنه شتم الحسن الثاني. وكان الجنرال أوفقير قد قتل أمامه زوجته الحامل فغدا الرجل مجنونا، وكان الملك يأتي بين الحين والآخر ويشاهد السجين المجنون الكهل وهو يقوم بحركات مخجلة ويطلق وابلا من الشتائم.
الدرجة الخامسة ذات بساطة مذهلة. يربط السجين إلى عمود, ويشق الجانب الأيسر من ظهره، ثم يتم غرز قطعة من الملح في الجرح، وتغطى بعد ذلك بلصقة مشمعة. والنتيجة لا تستغرق وقتا طويلا.
يتصبب السجين عرقا، ويجف ريقه، ويخيل إليه قرب احتضاره، ويكون مستعدا أن يقدم عينيه مقابل رشفة ماء واحدة.
الدرجة السابعة كان أوفقير يفتخر بها، وعندما أحضروا له النقيب صقلي من القوات المسلحة الملكية، وأحد قدامي المقاومين. قطع وجهه إربا: مزق شفتيه، أخرج إحدى أذنيه، فالأذن الأخرى، وجدع أنفسه. أخيرا غرز خنجره في عنقه، ثم قال : تلك هي الدرجة السابعة التي لا يخرج أحد منها حيا، ثم حول وجهه ليتقيأ( كتاب صديقي الملك ).
صمتت الزنزانة الأولى لبعض الوقت وهي ترهف السمع الذي تناهي إليه صوت سجين كأنه همس الجنون، فقد فعلت إدارة السجن معه مثلما تفعل إدارة سجن الوادي الجديد في مصر عندما ينتظر السجين عدة أسابيع قبل أن تقوم عائلته بزيارته. ويسرق حلما ليس من حقه في عُرف السجون المصرية، ويستبق الزيارةَ بتخيل وجه الأم، ولمسات الأب، وأحضان الأخ، ودفء عيون الأخت الصغيرة، فإذا بالأسرة تقف على الناحية الأخرى، ويحول حاجز بينها وبين ابنها الحبيب، وقبل أن تسمع الأم كلمات ابنها السجين يأمر الحراس الأهالي بالانصراف فورا، فالزيارة انتهت واستغرقت ثلاث دقائق بالتمام والكمال، وتحقق هدف زبانية التعذيب، فالقهر والمهانة والاذلال وفيضانات الأحزان الداخلية ستجعل السجين يلعن يوم مولده.
سألتها الزنزانة الثانية إن كان الأمر نفسه يحدث في سجون طرة وأبوزعبل والقلعة والأخيرة وصفها أحمد فؤاد نجم بملتقى عشاق الوطن، وهل لازال هناك معتقلون في عهد الرئيس حسني مبارك؟
كأن زلزالا بأقصى درجات ريختر هز الزنزانة الأولى، ثم انفجرت في البكاء وهي التي شهدت آلافا من عمليات التعذيب السادية التي يتبرأ منها إبليس نفسه، وربما يكرر يوم الحشر قولته: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟
قالت لصاحبتها: هل تعرفين أن ربع مليون مصري مروا في عهد الرئيس حسني مبارك على زنزانات مصر كلها، وأن وسائل التعذيب لا قبل لأحد بها، وأن الرئيس ينتشى سعادة كلما عرف أن كرامة مواطنيه تحت حذائه؟ وهل تعرفين أن هناك في السجون المصرية ستة عشر ألف معتقل وسجين رأي يرفض سيد القصر الجمهوري بعابدين أن يعيدهم لأهلهم وحريتهم ومواطنتهم الكاملة؟
وهل تعرفين أن أقسام الشرطة المنتشرة من صعيد مصر إلى ثغرها يقوم على أكثرها ضباط ساديون يعاونهم مخبرون ومرشدون ينحدرون من سلالة من الذئاب وهم على استعداد لمنافسة كل زبانية السجون والمعتقلات في الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة؟
في قسم الشرطة يعلق المواطن من رجليه في سقف غرفة المأمور، وقد يأتون له بأخته أو أمه أو أبيه، ويملك الضابط الحق في اشعال النار في جسد المواطن، أو حرقه بسيجارة، أو الطلب من بعض المسجلين خطرين أن ينتهكوا حرمة المواطن، ويغتصبوه في وضح النار، أو يضع المخبر قطعة معدنية مدببة في فتحة شرج المسكين، وتنطلق في أرجاء قسم الشرطة ضحكات كأنها صرخات شياطين، ويصل صداها وأخبارها وتفصيلاتها إلى الرجل الوحيد القادر على ايقافها، لكنه يصمت، ثم يبتسم، ثم يوميء برأسه موافقا، فالمصريون كما يراهم الرئيس حسني مبارك نجس من العبيد، عليهم الطاعة والصبر وتقديم واجب الشكر لأن سيادته لم يرسلهم إلى المشرحة ثم القبر.
قالت الثانية: كأنك تحدثينني عن بيوت الأشباح في عهد الرئيس السوداني عمر حسن البشير، وأخص بالذكر معتقل ( كوبر ) وهو السجن الذي شهد في مارس عام 1985 حشدا من السياسيين المناهضين للارهابي الرئيس جعفر النميري تماما مثلما فعل السادات في سبتمبر عام 1981 وألقى في السجون بكل الرموز الوطنية.
وفي 5 أبريل عام 1985 أعلن الفريق عبد الرحمن سوار الذهب عن بدء عهد ديمقراطي، فتولت الجماهير فتح أبواب معتقل ( كوبر ) وخرج السجناء الأبرياء إلى الحرية.
لكنها لم تدم أكثر من أربعة أعوام حتى قفز على كرسي السلطة ارهابي أكثر قسوة من النميري، ولعب لعبة الدين والسياسة مع حسن الترابي أمين عام الجبهة الاسلامية، ومنذ ذلك الحين عرف السودانيون الحروب والمجاعات والمعتقلات وزيارة بيوت الأشباح ودغدغة المشاعر الدينية عندما يتم قطع أطراف أطفال أو نساء جائعات في الخرطوم وأم درمان وغيرها بتهمة سرقة أشياء لا قيمة لها، في مقابل براءة اللصوص الكبار وعلى رأسهم عمر حسن البشير سارق الوطن السجن.
استعجلتها الزنزانة الأولى وسألتها إن كانت تذكر يوميات أحد السجناء في واحد من بيوت الأشباح في السودان.
خيم صمت طويل كأن الزمن استدعى قطعة من القبور واستبدلها بالسجن حتى لا يتناهى إلى الزنزانتين أنين السجناء الذي ينطلق بغير ارادتهم وهم يغطون في نوم باحثين في أحلامه عن أي نهاية لهذا العذاب حتى لو كانت كفنا رخيصا وحفرة متربة في عمق أرض مزدحمة ببقايا أموات سابقين كانت لهم نفس الأحلام.
ثم برقت في ذهن الزنزانة الثانية يوميات سجين سوداني، وتذكرت منها تلك المقاطع:" ..عندما أوشكت السيارة على دخول المكان، طلب منا تحت تهديد السلاح والضرب والركل والانبطاح على أرضية العربة، ثم وضع الجلادون أحذيتهم الثقيلة فوق رقابنا. بعد ذلك بدأت حفلة التشريفة ( وهي تقريبا متشابهة في معظم سجون الوطن العربي ) فانهالوا علينا بالصفع المتواصل والضرب بأعقاب البنادق حتى دخلنا في حالة اعياء شديد أعقبه إغماء.
تم وضعي في مكان عال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb



مجلة طائر الشمال


التالي